للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم بعث هذا السؤال إلى الشيخ زكريا، فامتنع من الكتابة عليه غاية الامتناع، فألحّ عليه أياما حتى كتب، فأجاب يقول: يحمل كلام هذا العارف، رحمة الله عليه ونفع ببركاته، على اصطلاح أهل طريقته، بل هو ظاهر فيه عندهم، إذ اللفظ المصطلح عليه حقيقة فى معناه الاصطلاحى، مجاز فى غيره، كما هو مقرّر فى محلّه، ولا ينظر إلى ما يوهمه تعبيره فى بعض أبياته فى التائية، من القول بالحلول والاتحاد، فإنه ليس من ذلك فى شئ، بقرينتى حاله ومقاله المنظوم فى تائيته، بقوله من أبيات القصيدة:

ولى من أتمّ الرؤيتين إشارة … تنزّه عن رأى الحلول عقيدتى

وقد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق فى بحر التوحيد والعرفان، بحيث تضمحلّ ذاته وصفاته فى صفاته، ويغيب عن كل ما سواه، عبارات تشعر بالحلول والاتحاد، لقصور العبارة عن بيان حالته التى يرقى إليها، كما قاله جماعة من علماء الكلام، ولكن ينبغى كتم تلك العبارات عن من لم يدركها، فما كل قلب يصلح للسرّ، ولا كل صدف ينطبق على الدرّ، ولكل قوم مقال، وما كلما يعلم يقال، وحقّ لمن لم يدركها عدم الطعن فيها، كما قال بعضهم فى المعنى:

فإذا كنت بالمدارك غرّا … ثم أبصرت حاذقا لا تمارى

وإذا لم تر الهلال فسلّم … لأناس رأوه بالأبصارى

ولو ذاق المنكر ما ذاق هذا العارف، لما أنكر عليه، كما قال القائل:

ولو يذوق عاذلى صبابتى … صبى معى لكنه ما ذاقها

والحالة هذه، والله يمنح بفضله، ويمنع من يشاء بعدله، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم، وكتبه زكريا بن محمد الأنصارى الشافعى؛ فلما كتب الشيخ زكريا على هذا السؤال، سكن الاضطراب الذى كان بين الناس بسبب ابن الفارض، رحمة الله عليه، انتهى ذلك.

ثم فى عقيب ذلك عزل ابن الشحنة عن قضاء الحنفية، وحصل له عقيب ذلك فالجا، وذهل وسلب من العلم، وحصل لولده عبد البر مع القلقيلى ما سنذكره فى موضعه؛ وأما البقاعى فكادت العوام أن تقتله، وحصل له من الأمراء ما لا خير