فلما كان يوم الخميس تاسع عشر هذا الشهر، دخل السلطان إلى القاهرة من باب النصر فى موكب حافل، وقد حمل القبّة والطير على رأسه المقر السيفى برقوق أحد المقدمين، وموجب ذلك كان الأتابكى أزبك غائبا فى التجريدة، فكان له يوم مشهود، ومشت قدامه الجنايب بالأرقاب الزركش، ولاقاه الأوزان والشعراء والشبابة السلطانية، وفرشت تحت حافر فرسه الشقق الحرير، من عند مدرسة أم السلطان التى فى التبانة إلى القلعة، ونثرت على رأسه خفايف الذهب والفضة، ومشت قدّامه الأمراء الرءوس نوب بالشاش والقماش، من بين القصرين إلى القلعة، واصطفّت له المغانى النساء على الدكاكين، واستمرّ فى ذلك الموكب حتى طلع إلى القلعة، وهذا أول مواكبه الحافلة.
وصادف أن قاصد حسن الطويل كان حاضرا، فتعجّب من حسن هذا الموكب، وكان قد حضر وعلى يده رأس أبى سعيد ملك سمرقند، وقد تقدّم أنه قتل على يد حسن الطويل؛ فلما صعد السلطان إلى القلعة وجلس على الدكة بالحوش، حضر قاصد حسن الطويل ومعه رأس أبى سعيد فى علبة، وكان العسكر بالشاش والقماش وكان الموكب عاما.
فلما انفضّ الموكب أقام السلطان بعد ذلك أياما، وإذا بتانى بك الظاهرى أحد الأمراء العشرات رءوس النوب وقد حضر، وكان ممن خرج فى التجريدة، فأخبر بكسرة العسكر ورجوعه إلى حلب، وهذه ثانى كسرة وقعت لعسكر مصر مع سوار؛ فلما تحقق السلطان ذلك اضطربت أحواله، وماجت القاهرة بمن فيها؛ وكان سبب كسرة العسكر أن سوارا تحيّل عليهم حتى دخلوا فى مواضع مضيق بين أشجار، فخرج عليهم السواد الأعظم من التركمان بالقسىّ والنشاب والسيوف والأطبار، فقتلوا من العسكر ما لا يحصى عددهم.
وأخبر تانى بك هذا بقتل الأمير قرقماس الجلب، وكان يعرف بقرقماس من يشبك خجا الأشرفى، وكان أميرا جليلا حشما ريسا، وكان يقرب للأشرف