للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفى جمادى الأولى، ظهر العجز على السلطان يلباى، وقصرت كلمته، وحار فى رضى المماليك الخشقدمية، وصار فى يدهم مثل اللولب يديروه (١) حيث شاءوا، فكثرت الإشاعات بأن الجلبان الخشقدمية، قصدهم إثارة فتنة، وأن يقبضوا على جماعة من الأمراء المؤيّدية، فامتنعت الأمراء من الصعود إلى القلعة، مثل: قنبك المحمودى أمير سلاح وجانى بك كوهيه، ومغلباى طاز. - فبينما هم على ذلك، إذ حضر الأمير يشبك الفقيه، أمير دوادار كبير، وكان خرج صحبة الأمير قرقماس الجلب، إلى جهة الصعيد كما تقدّم، فلما حضر إلى القاهرة، قصد أن يثير فتنة؛ ويقبض على جماعة من الخشقدمية، لكى يصفو (٢) لهم الوقت، فجاء الأمر بخلاف ذلك.

فلما كان يوم الخميس خامس هذا الشهر، وثب الأمير يشبك الفقيه، ولبس لامة الحرب، واجتمع عنده سائر خشداشينه المؤيّدية؛ فلما سمع بذلك الأشرفية والأينالية، جاءوا إلى يشبك الفقيه أفواجا أفواجا، والتفّ عليهم جماعة كثيرة من المماليك السيفية، فتكامل عنده عدّة وافرة من هذه الطوائف، وأتى إليه الجمّ الغفير من الزعر والعوام؛ ثم إن خشداشه طوخ الزردكاش، نقل إليه من الزردخاناة، أشياء كثيرة من قسىّ ونشاب وسبقيات، وغير ذلك من آلات الحرب.

فلما تكامل هذا الجمع، خرج الأمير يشبك الفقيه من داره، وطلع فى المدرسة الجاولية التى بجوار بيته، فجلس (٣) بها، ونصب هناك مكحلة، وحفر أربعة خنادق، واحد عند مدرسة لاجين، التى فى الجسر الأعظم، وواحد عند المدرسة الصرغتمشية، وواحد عند رأس حدره الكبش، وواحد عند باب جامع بن طولون، فعند ذلك كثر الهرج والاضطراب؛ وكان يشبك الفقيه قرّر مع الظاهر يلباى، بأن ينزل إليه، ويعلّق السنجق (٤) السلطانى فى المدرسة الجاولية، وتجتمع عنده العساكر، فلم ينزل السلطان إليه.


(١) يديروه: كذا فى الأصل.
(٢) يصفو: يصفا.
(٣) أربعة: أربع.
(٤) السنجق: الصنجق.