وفيه قرئ تقليد السلطان بالقصر على العادة، وحضر الخليفة والقضاة الأربعة؛ ثم أخلع على الخليفة، والقضاة الأربعة، وكاتب السرّ، وقد عابوا على السلطان فى ذلك اليوم، لكون أنه جلس على الكرسى بالقصر والخليفة على الأرض قدّامه، فعدّ ذلك ناقصة من الملك المنصور، وخفّة، فتفاءل الناس عن زواله قريبا.
وفيه أعيد القاضى علم الدين صالح البلقينى إلى القضاء، وصرف عنها الشرفى يحيى المناوى. - ثم إن ناظر الخاص يوسف، أخذ فى أسباب ضرب ذهب برسم النفقة على الجند، وقد نقص كل دينار عن الأشرفى قيراطين ذهب، وسمّاهم المناصرة، فضرب منهم جملة كبيرة، وأراد أن ينفق ذلك على الجند، فما تمّ له ذلك. - وفى هذه الأيام كثر القيل والقال بين الناس بوقوع فتنة عظيمة، وقد تقلّب العسكر على الملك المنصور.
فلما كان يوم الاثنين مستهلّ ربيع الأول، فيه وثب العسكر على الملك المنصور عثمان، وحاصروه وهو فى القلعة، وقد اتّفق الأشرفية مع المؤيدة، والتفّ عليهم جماعة كثيرة من المماليك السيفية، فتوجّهوا إلى بيت الأتابكى أينال الأجرود، وأركبوه غصبا، وأتوا به إلى البيت الكبير، الذى عند حدرة البقر؛ فلما استقرّ به أرسل خلف أمير المؤمنين حمزة، فلما حضر، اشتدّ القتال بالرملة، ثم إن الخليفة خلع الملك المنصور من السلطنة وبايع الأتابكى أينال؛ واستمرّ الحرب ثائرا بين الفريقين مدّة سبعة أيام متوالية، وقد قتل فى هذه المدّة من الناس والعسكر ما لا يحصى، وكان الأكل يطلع لمن بالقلعة فى توابيت الموتى، وهو مغطّى بالطرحة البيضاء فلا يشكّ أحد فى النعش.
فلما كان يوم الأحد سابع ربيع الأول، كان الكسرة على الملك المنصور عثمان، وقد أرسل يحضر عربان من الشرقية والبحيرة، فمنعه من ذلك قانى باى الجركسى، وقال له:«تحكّم العرب فى الترك؟»، فلا زال حتى منع المنصور من ذلك، واستمرّ المنصور فى المحاصرة وهو بالقلعة، وقطعوا عنه الماء من المجراة، وحاضروه، وآخر الأمر انكسر، وملك أينال باب السلسلة، ثم سبيل المؤمنى.