للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فارتعدت أعضائى، ثم قمت وركبت بغلتى، وأنا آيس من الحياة، فلما وصلت إلى دار الأمير أحمد، دخلت وسلّمت على حاجب الباب، فقال لى: «ادخل وخذ فى مشيك عن يمينك، واحترز أن لا تقع فى البحرة».

وكانت ليلة مظلمة من ليالى الشتاء، فمشيت حتى بلغت ضوء الشمع، فوقفت قليلا، وإذا بالأمير أحمد فى قبّة لطيفة، وهو نائم على ظهره، وبين يديه شمعتان، فوقفت طويلا، فلما علم بى، قال: «أبو الحسن»؟ قلت: «نعم»، قال: «ادخل»، فدخلت ووقفت بين يديه، فقال: «اجلس»، فجلست، فقال: «لأى شئ تصلح هذه القبّة»؟ وكانت قبّة لطيفة، يجلس فيها نحو أربعة أنفس، فقلت: «تصلح للفكر، وتلاوة القرآن، ومطالعة العلم، ومنادمة المحبّين».

فتبسّم، ثم قال: «ماذا تقول فى هذه المسألة (١)»؟ قلت: «يقول الأمير أيّده الله بنصره»، فقال: «ما تقول فيمن سلّط على شئ ففعله، فهل يعذب عليه»؟ قال أبو الحسن: فعلمت أنّ المسألة (١) هى ناشئة عنه، فقلت على الفور: «لو كان كل مسلّط معذّبا، لكان ملك الموت أشدّ الناس عذابا يوم القيامة».

فلما سمع ذلك منى، استوى جالسا، وقال: «كيف قلت»؟ فقلت: «لو كان كل مسلّط معذبا، لكان ملك الموت أشدّ الناس عذابا يوم القيامة».

ثم سكت طويلا، وقال: «انصرف إلى منزلك»، فخرجت من عنده، وأنا لا أصدّق بالنجاة؛ فلما خرجت تبعنى الحاجب بصرّة فيها مائتا دينار، فأخذت ذلك وانصرفت إلى منزلى وأنا لا أصدّق بالسلامة، انتهى.

وكان الأمير أحمد يقول: «إنى لأجد فى فهم الرجل عنى إذا خاطبته من اللذّة، ما لا يجده مجامع المراة الحسناء عند جماعها».

قال ابن وصيف شاه: لم يل (٢) مصر قبل خلفاء بنى عبيد الله، أعظم من نظام الأمير أحمد بن طولون؛ كان راتب مطبخه فى كل يوم ألف دينار، تصرف فى أمر


(١) المسألة: المسئلة.
(٢) لم يل: لم يلى.