للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الأجبان والخضر، وشرقت الأراضى جميعها، وماتت أشجار الغيطان، واستمرّ الحال على ذلك نجوا من سنتين وشئ (١)، ولما فتح السدّ لم يجر (٢) الماء فيه، وصار مثل المجراة، فدخل غالب الماء فى بركة الفيل، ولم ترو كلها، ووقع القحط فى سائر الغلال، وأطلقت الناس بهائمهم إلى حال سبيلها، وقد رثى (٣) بعض شعراء العصر الخبر بهذه الأبيات، وهو قوله:

قسما بلوح الخبز عند خروجه … من فرنه وله الغداة فوار

ورغائف منه تروقك وهى فى … سحب الثقال كأنها أقمار

من كل مصقول السوالف أحمر ال … خدّين للشبو نير فيه عذار

كالفضّة البيضاء لكن تغتدى … ذهبا إذا قويت عليه النار

فلقى عليه فى الخوان جلاله … لا تستطيع تجدّه الأبصار

فكأن باطنه بكفّك درهم … وكأن ظاهر لونه دينار

ما كان أجهلنا بواجب حقّه … لو لم تبيّنه لنا الأسعار

إن دام هذا السعر فاعلم أنه … لا حبّة تبقى ولا معيار

وقال آخر:

وإذا غلا شئ علىّ تركته … فيكون أرخص ما يكون إذا غلا

إلاّ الدقيق فما لنا عنه غنا … فإذا غلا يوما فقد عمّ البلا

ثم إن السلطان رسم بأن البلاد التى رويت يؤخذ منها القطيعة قطيعتين، فامتثلوا ذلك. - وفيه جاءت الأخبار من مكّة المشرّفة بأن تمراز المصارع، الذى تولّى نيابة جدّة، احتوى على نحو من ثلاثين ألف دينار، ونزل فى مركب وتوجّه إلى اليمن هاربا؛ فلما بلغ السلطان ذلك انزعج لهذا الخبر، وبعث خلف جانى بك الذى كان نائب جدّة، وأخلع عليه وأعاده إلى نيابة جدّة كما كان، وأمره بالخروج من يومه إلى مكّة المشرّفة، والفحص عن أمر تمراز المصارع فيما قيل عنه؛ فخرج


(١) سنتين وشئ، يعنى أن حال موت الأشجار وغير ذلك استمر أكثر من سنتين.
(٢) لم يجر: لم يجرى.
(٣) رثى: رثا