للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الليلة أصبعين، فاشتدّ قلق الناس، واستكعبوا بالمنادى؛ كما حكى أن بعض العلماء خرج فى بغداد ليستسقى بالناس، وكان فى السماء بعض غيم وقت خروجه، فلما خرج ودعا إلى الله تعالى بنزول الغيث، فلما رفع يديه بالدعاء تقطّع السحاب، وصحت السماء من الغيم، فخجل ذلك العالم ورجع إلى داره، وهو فى غاية الخجل، فقال دعبل الخزاعى:

خرجنا لنستسقى بفضل دعائه … وقد كاد سحب الغيم أن يلحق الأرضا

فلما بدا يدعو تكشّفت السما … فما تمّ إلاّ والسحاب قد انفضّا

واستمرّ الحال على ذلك، حتى مضى من توت ثمانية أيام، والباقى سبعة أصابع، فتزايد قلق الناس، وبعث السلطان جملة مال إلى قبرس يشترى به قمحا، ويحمله إلى القاهرة.

وفى شعبان، نقل الأمراء مغلهم من الشون إلى بيوتهم، ومعهم مماليكهم وهى ملبّسة، خوفا من العوام أن لا ينهبوا (١) القمح؛ وقد اضطربت الأحوال، ورفع الخبز من الأسواق، ووقع القحط بين الناس. - فلما مضى من توت عشرين يوما، رسم السلطان بفتح السدّ من غير وفاء، وقد بقى عن الوفاء ثمانية أصابع، فتوجّه والى الشرطة وفتح السدّ، ولم يحصل للناس به السرور، بل اشتدّ فى ذلك اليوم البكاء والنحيب، وقال على بن سودون:

يا مسبل الستر على من عصى … بحلمه مع علمه ما خفا

أرخص لنا الأسعار والطف بنا … واستر بماء النيل برّ الوفا

وكان الناس يسترجون أن النيل يزيد فى صبّة بابه، فانهبط جملة واحدة، فحصل للناس الضرر الشامل، وصار القمح كل يوم يتزايد [فى السعر، حتى تناهى سعره إلى سبعة أشرفية كل أردب] (٢) ولا يوجد، وارتفع الخبز من الأسواق، وبلغ كل رطل خبز بنصفين، ووقع الغلاء فى سائر الأشياء، حتى فى روايا الماء، وعزّ وجود


(١) أن لا ينهبوا: كذا فى الأصل.
(٢) ما بين القوسين نقلا عن طهران ص ٢٤٠ ب.