للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قيل إنّ بعض الناس كتب له على باب الجامع هذين البيتين:

بنى جامعا لله من غير حلّة … فجاء بحمد الله غير موفّق

كمطعمة الأيتام من كدّ فرجها … فديتك لا تزنى ولا تتصدّق

قال صاحب «مرآة الزمان»: كان أحمد بن طولون لا يعبث قط فى مجلسه، فعبث يوما فى درج من الورق، وجعل يعبث به، فتعجّب منه الحاضرون لذلك، فقال لما أنكروا عليه ذلك، قال: «احضروا لى المهندسين»، فلما حضروا قال لهم:

«ابنوا لى منارة هذا الجامع على صفة هذا الدرج»، ولم يظهر أنّه عبث به.

وقال للقريزى: إنما بنى منارة هذا الجامع على صفة منارة جامع سامرا (١) الذى ببغداد.

فلما كمل هذا الجامع، صلّى به القاضى بكّار بن قتيبة، ، وكان إماما؛ وخطب به أبو يعقوب البلخى؛ وأملى به الحديث الربيع بن سليمان، وكان تلميذ الإمام الشافعى، .

قال ابن عبد الظاهر: وبنى الأمير أحمد بن طولون بجوار هذا الجامع مارستانا، وصرف عليه ستين ألف دينار، ولم يكن قبل ذلك بمصر مارستان، وجعل به خزانة شراب وأدوية، وجعل عليها خادما أسود خصيّا؛ وكان يجلس على بابه فى كل يوم جمعة طبيبان (٢) برسم الضعفاء، وكان له أوقاف كثيرة، حتى قيل كان له فى كل يوم من المصروف ألف دينار.

ولم يزل هذا الجامع على ما ذكرناه، حتى احترق كله فى ليلة الجمعة خامس عشرين جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلثماية، فلما تولّى العزيز بن المعزّ الفاطمى على مصر، جدّد ما احترق منه، ولكن أبطل منه أشياء كثيرة، انتهى ذلك.

قال ابن عبد الظاهر: بلغ الأمير أحمد بن طولون أنّ المقياس قد تهدّم، فركب بنفسه، وكان صحبته القاضى بكار بن قتيبة، قاضى مصر، وأبو أيوب، صاحب


(١) سامرا: سامرى.
(٢) طبيبان: طبيبين.