للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال عبد الله بن عبد الظاهر: لما فرغ الأمير أحمد بن طولون من بناء مدينة القطائع، ابتدأ ببناء جامعه، وقد ابتدأ فى عمارته سنة ثلاث وستين، وانتهى العمل منه سنة ست وستين ومائتين، وبلغت النفقة على بنائه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار.

قال ابن عبد الظاهر: لم يكن بمصر بقعة أعظم من البقعة التى بنى فيها هذا الجامع، وكان هذا المكان يسمّى جبل يشكر، قيل إن موسى، ناجى ربّه عليه، وهو مشهور بإجابة الدعاء فيه.

فلما فرغ من بنائه، لم يصلّ (١) فيه أحمد من الناس، وقالوا: هذا بنى من مال حرام، لا يجوز فيه الصلاة؛ فلما بلغ الأمير أحمد ذلك، خطب فيه، وحلف بالله العظيم أنّه ما بنى هذا الجامع من مال حرام، وإنما بناه من كنز ظفر به عند الأهرام، فعند ذلك صلّوا فيه الناس.

ثم إنّ بعض الناس عاب قبلته، وقال إنّها ضيّقة، فخطب وقال فى خطبته: قد رأيت النبى، ، فى المنام، وهو يقول لى: «يا أحمد ابن قبلة هذا الجامع على هذا الوضع»، وخطّ لى فى الأرض صورة ما يعمل، فما أمكننى أن أزد بعد ذلك، ولا أنقص، فلما أصبحت وجدت النمل قد أطاف على ذلك الخطّ، فوضعت أساس المحراب عليه، وإلى الآن يسمّى محراب النمل.

قيل: لما كمل بناء المحراب، جعل عليه منطقة من العنبر معجون بمسك، لتفوح رائحتها على المصليّين به، وعلّق بهذا الجامع عشرة آلاف قنديل من الزجاج المذهّب.

وكان فى صحنه قبّة، على عشرة عمد (١٨٠) من رخام أبيض، وهى مفروشة بالرخام الملوّن، وفى وسطها فوّارة يفور منها الماء، يطلع من قصعة رخام أبيض، قطعة واحدة، دورها أربعة أذرع فى مثلها، تفور بالماء ليلا ونهارا برسم الوضوء؛ ثم فرشه بالحصر العبدانى؛ وكان على صحنه شبكة من جميع جوانبه لأجل العصافير.


(١) لم يصل: لم يصلى.