قيل أبيع كل عشرة أرادب بدينار، وعلى هذا فقس فى جميع الغلال والبضائع؛ ووصل خراج مصر فى أيامه مع وجود الرخاء، أربعة آلاف ألف دينار وثلثماية ألف دينار، غير ما يتحصّل من المكوس.
قال ابن وصيف شاه: خرج الأمير أحمد بن طولون يوما على سبيل التنزّه، فتوجّه إلى نحو الأهرام، فبينما هو راكب إذ غاصت قوائم فرسه فى الأرض، فأمر بكشف ذلك المكان، فلما كشف، فإذا هو كنز فيه دنانير ذهبا، كل دينار قدر الرغيف؛ ووجد به إنسان ميّت، فكان طول كل عظمة من أضلاعه أربعة عشر شبرا، وعرضه نحو شبر؛ ثم إنّ الأمير أحمد نقل ذلك المال إلى خزائنه.
قال صاحب «مرآة الزمان»: إنّ أحمد بن طولون أرسل جثّة هذا الميّت إلى بغداد، حتى شهدها الخليفة.
فلما ظفر بهذا الكنز اتّسع حاله وعظم أمره، فاستكثر من مشترى المماليك الديالمة، حتى بلغت عدّتهم أربعة وعشرون ألفا؛ وبالغ فى مشترى العبيد الزنج، حتى بلغ عدتهم نحو أربعين ألفا؛ واستكثر من شناترة العرب الحوف، حتى بلغ عدّتهم سبعة آلاف شنتيرا، فعند ذلك سطا على الخلفاء، وادّعى الخلافة لنفسه بمصر، وانفرد بخراجها، فحاربه الخليفة المعتضد بالله، فلم يقدر عليه.
قال عبد الله بن عبد الظاهر: لما كثرت عساكر الأمير أحمد بن طولون، ضاقت بهم مدينة الفسطاط، فبنى مدينة شرقى مدينة الفسطاط، وسمّاها «القطائع»، وكانت مدينة جليلة، بنيت قبل القاهرة؛ وكانت ميلا فى ميل، أولها من كوم الجارح إلى الصليبة، وعرضها من قناطر السباع إلى الجبل المقطّم؛ وكان بها مناظر مطلّة على بحر النيل، وآثار سورها باق إلى الآن عند المدرسة الجاولية، وهو الذى يسمّونه «الكبش»، فلما فرغت، أسكن بها جنده.
ولم تزل هذه المدينة عامرة حتى هدمها محمد بن سليمان الكاتب، لما ولى على مصر أيام الخليفة المكتفى بالله، خليفة بغداد، وذلك سنة ثمان وخمسين وثلثماية.