فى ذلك أنّ النيل إذا انهبط بعد الزيادة، يرسب الماء فى تلك البطيحات التى فوق الجنادل، فينقطع ماؤها، ويتغيّر لونه وطعمه، فإذا جاءت السيول بالماء الجديد، ينحدر الماء القديم من البطيحات إلى أراضى مصر، فيقولون الناس:«قد توحّم البحر»، وفى ذلك يقول الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا:
عجب لنيل ديار مصر إنّه … عجب إذا فكّرت فيه يعظم
يطأ الأراضى، فهى تلقّح دائما … من مائه، وهو الذى يتوحّم
قال المسعودى: وكان للمقياس فى الدولة الفاطمية عند مبتدأ الزيادة، مائة دينار تصرف من الذخيرة لابن أبى الرداد، بسبب كنس مجارى ماء النيل، حتى يدخل إلى فسقية المقياس.
وكان يأتى من مدينة قوص مركب صغيرة تسمّى المفرد، وبها رجل واحد يقذّف، وعليه أسابيط بلح تظلّله من حرّ الشمس، حتى يصل، فيبشّر بوفاء النيل، قبل أن يبشّر به ابن أبى الرداد، وكان له معلوم على أرباب الدولة فى كل سنة؛ فبطل ذلك من مصر، مع جملة ما بطل منها من العوايد القديمة؛ وقد تغزّلت الشعراء فى وصف هذا المفرد، تغزّلات كثيرة، فمن ذلك قول الفقيسى:
إن كان مدّ النيل قد سرّكم … وقد بلغتم بالوفاء المنى
فالنيل من بعدكم أد … معى، نعم، وما المفرد إلا أنا
انتهى ذلك.
واستمرّ الأمير يزيد بن عبد الله التركى على ولايته بمصر، حتى عزل.
ثم تولّى بعده الأمير مزاحم بن خاقان التركى، وزير المتوكّل، تولّى على مصر سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
وفى أيامه توفّى أحمد بن صالح المصرى، أحد الحفّاظ المبرزين، والأئمة المجتهدين، مات فى ذى القعدة سنة ثمان وأربعين (١) ومائتين.
وفى هذه السنة توفّى أيضا ابن عمّ الإمام الشافعى، محمد بن عبد الله بن محمد