للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مصر، وقد فسدت هذه القواعد كلها فى هذا الزمان، لما علا من الأراضى من قلّة الجرف، وفساد الأحوال، وصارت أراضى مصر الآن لا تروى إلا من عشرين ذراعا، أو إحدى وعسرين ذراعا، انتهى ذلك.

وكانت هذه المقاييس المقدّم ذكرها، يتولّى قياس النيل بها جماعة من النصارى الأقباط، فلما بنى (١) الأمير يزيد بن عبد الله التركى هذا المقياس الجديد بالجزيرة، عزل هولاء (٢) النصارى عن قياس النيل، وجعل عليه شخصا يسمّى عبد الله بن عبد السّلام ابن عبد الله بن أبى الرداد؛ وكان أصله من البصرة، وقدم مصر، وأقام بها، وكان مؤذّنا بجامع عمرو بن العاص، وأجرى عليه فى كل شهر سبعة دنانير؛ ولم يزل المقياس بيد أبى الرداد حتى توفّى سنة ست وستين ومائتين؛ واستمرّ المقياس مع أولاده، وأولاد أولاده، إلى يومنا هذا.

قال المسبحى (٣) فى «تاريخ مصر»: سأل القاضى ابن خيران، ماذا يستفتحون به القيّاسون فى كلامهم إذا نادوا على النيل؟ قال: أحسن ما يقولون، «نعم لا تحصى، من خزائن لا تفنى، زاد الله فى النيل المبارك كذا وكذا».

قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فى منادى البحر، لما يزيد (٤) عشرة أصابع، ويجعلون (٥) فى أيديهم عودا وهو مخلّق بالزعفران:

قد قلت لما أتى المقسى وفى يده … عود بماء النيل قد غودى وقد نودى

أيام سلطاننا سعد السعود وقد … صحّ القياس بجرى الماء فى العود

قال المسعودى: ومن عادة ماء النيل قبل الزيادة، يخضرّ لونه، ويتغيّر طعمه، فيقولون العوام من أهل مصر: «البحر بيتوحّم (٦)» وهذا شئ ليس له أصل، والسبب


(١) بنى: بنا.
(٢) هؤلاء: ذلك.
(٣) المسبحى: المستحى.
(٤) لما يزيد: لما يزد.
(٥) ويجعلون: ويجعلوا.
(٦) بيتوحم: كذا فى الأصل، ويلاحظ الآسلوب العامى، واستعمال حرف الباء فى أول الفعل المضارع.