للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إن القداح إذا جمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش باليد

عزّت فلم تكسر وإن هى بددت … فالوهن والتكسير للمتبدى

ثم أخلع على الأتابكى جقمق، وجعله نظام الملك، ووصيّا على ولده من بعده، بأنه هو المتصرّف فى أمور المملكة، ولا يقضى أمرا دونه؛ ثم أخلع على الخليفة والقضاة، وانفضّ ذلك المجلس، ونزل الأتابكى جقمق ومعه سائر الأمراء.

وفى ذى الحجة، خرج ولىّ العهد أبو المحاسن يوسف بن السلطان إلى صلاة عيد النحر، فصلّى فى الجامع، ثم جلس على باب الستارة، وأخلع على الأتابكى جقمق، ونزل إلى بيته، ولم يضحّ (١) بالقلعة؛ وأشيع أن السلطان فى النزع وقد خرس (٢)، فاستمرّ على ذلك إلى يوم السبت بعد العصر، فتوفّى، رحمه الله تعالى، فلم يخرجوه فى ذلك اليوم وبات بالقلعة، فأخرجوه فى يوم السبت ثالث عشر (٣) ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وصلّى عليه بالقلعة، وصلّى عليه قاضى القضاة ابن حجر، ونزلوا به من القلعة إلى تربته التى (٤) أنشأها بالصحراء، فدفن بها، ومات وله من العمر نحو من خمس (٥) وسبعين سنة، فكثر عليه الحزن والأسف، فإن مصر كانت هادئة فى أيامه من الفتن والحروب التى كانت قائمة فى الدول الماضية، فى أيام بنى قلاوون وغيره.

فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، والبلاد الشامية، ست عشرة (٦) سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، بما فيها مدّة توعّكه وانقطاعه، وقد قال القائل فى المعنى:

المرء كالظل ولا بد أن … يزول ذاك الظل بعد امتداد

وكان قليل العزل لأرباب الوظائف، ولا يسمع المرافعات فى أحد، إلاّ عن يقين؛ وكان الأشرف برسباى ملكا جليلا مبجّلا فى موكبه، منقادا إلى الشريعة،


(١) ولم يضحّ: ولم يضحى.
(٢) خرس: خرص.
(٣) السبت ثالث عشر: الأحد ثالث عشرين. وانظر فيما يلى الحاشية (١٧) فى ص ١٩٠.
(٤) التى: الذى.
(٥) خمس: خمسة.
(٦) ست عشرة: ستة عشر.