للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولا مملوك، ولا متعمّم، ولا تاجر، ولا سوقى، حتى خرج إلى الحفير، وصاروا يخرجون طوائف طوائف ومعهم الطبول والزمور، وغلّقت الأسواق قاطبة، وكان يوما مشهودا، ومدّ هناك أسمطة جليله للأمراء وأعيان الناس.

ثم إن السواد الأعظم من الناس أخذوا فى شيل التراب على رءوسهم بالقفاف، فشال حتى الأمراء و [أرباب] (١) الدولة من المباشرين وغيرها، وخرج كل أمير فى أهل حارته، وعيّن لكل أمير مكان يحفره، [واستمرّ النداء فى كل يوم للناس بالخروج، حتى صوفة الخوانق] (٢)، واستمرّ الحال على ذلك نحوا من شهر.

وكان الملك المؤيّد قصد أن يجعل جسرا، من آخر خرطوم الروضة إلى جزيرة أروى (٣)، ليدخل الماء إلى خليج الزربية، ويكون الخليج الناصرى جاريا فيه الماء شتاء وصيفا، فما تم له ذلك؛ ولما زاد النيل، وبلغ اثنى عشر ذراعا، أكل ذلك الجسر الذى تعب عليه المؤيّد، وما فاد من تعب الناس شيئا؛ ثم إن الملك المؤيّد خرج إلى البلاد الشامية بسبب عصيان النّواب، فلما انهبط النيل، طلع مكان ذلك الجسر الذى عمره السلطان الملك المؤيّد كوادى رمل، فهّتّك الناس على الفرجة عليهم، [ونصبوا هناك الخيام على شطّ الروضة والمنشيّة] (٤)، ولا سيما كان العسكر غائبا مع السلطان، وصنّفوا أهل مصر فى ذلك غنوة، وهم يقولون هذه:

يا رايح الشام غادى … سلّم وبوس الأيادى

وقل لجيش المؤيّد … آدى الحريم فى الكوادى

وفى جمادى الأولى، أمر السلطان بعقد مجلس، بسبب شمس الدين الهروى، فاجتمع القضاة الأربعة بين يدى السلطان، وانتدب للهروى الشيخ شهاب الدين بن حجر، فوقع فى المجلس أشياء يطول شرحها، وكان المجلس كله على الهروى، ورتّب ابن حجر أشياء ذكرها فى الردّ على الهروى.


(١) [أرباب]: تنقص فى الأصل.
(٢) ما بين القوسين نقلا عن طهران ص ١٢٤ آ.
(٣) أروى: الروى.
(٤) ما بين القوسين نقلا عن طهران ص ١٢٤ ب.