الحلىّ بأبخس الأثمان، حتى دفع للتجّار ما كان اقترضه منهم، وكان القرض نحو عشرة آلاف دينار، ثم رحل عن مصر والناس داعية له، وخلف له الثناء الجميل، فكان كما قيل فى المعنى:
كل الأمور تزول عنك وتنقضى … إلا الثناء فإنّه لك باق
ولو أنّنى خيّرت كل فضيلة … ما اخترت غير مكارم الأخلاق
ثم تولّى بعده الأمير عبيد الله بن مروان الحمار، وهو آخر من تولّى بمصر من الأمراء الأموية، وبه زالت دولتهم؛ وكانت ولايته سنة اثنتين (١) وثلاثين ومائة، فأقام بها نحو سنة.
فلما قويت شوكة العباسية على الأموية، وانكسر الأمير مروان الحمار، وهرب وتوجّه إلى مصر، وولى الخلافة عبد الله السفاح، وهو أول خلفاء بنى العبّاس.
فلما تولّى عبد الله السفاح، أرسل عبد الله بن على بن عبد الله بن عبّاس، ﵄، فى طلب مروان الحمار، فدخل مصر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فأقام بها لضبط أمورها، وأنشأ بها جامعا شمالى مدينة الفسطاط، وسمّاه جامع العسكر - وفى أيامه توفّى أبيض، وكان من مشاهير الصحابة، وقيل توفّى قبل ذلك.
ثم بلغه أنّ مروان الحمار توجّه إلى نحو الصعيد، فتبعه عبد الله بن على، بمن معه من العساكر، حتى ظفر به فى قرية من قرى الصعيد يقال لها:«بوصير»، فقطع رأسه هناك، وأخذ ما كان معه من الأموال والتحف، ودفن جثّته هناك فى بعض الشطوط من البحر، بغير غسل ولا تكفين.
وكانت قتلة مروان الحمار أواخر سنة اثنتين (١) وثلاثين ومائة، وهو آخر خلفاء بنى أمية، وبه انقرضت دولتهم.
قال الصولى: لما قطعت رأس مروان الحمار، تركها عبد الله بن علىّ، على صفّة، وتغافل عنها ساعة، فجاءت الهرّة أكلت لسانه، وجعلت تمضغه بفيها، فقال عبد الله ابن على: «لو لم يرينا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان الحمار، وهو فى فم الهرّة