قال ابن وصيف شاه: لما بلغ الأمير عبيد الله بن مروان، أنّ أباه مروان قد انكسر وهرب، قام إلى خزائن المال وأخذ منها عشرة آلاف دينار، وأخذ شيئا من التحف والقماش والفرش، وحمل ذلك على اثنى عشر بغلا، وأخذ معه جماعة من عبيده، وشدّ على وسطه خريطة فيها جواهر فاخرة، وخرج من مصر هاربا على وجهه، فتوجّه إلى بلاد النوبة.
فلما وصل إلى هناك، وجد مدائن خرابا، وبها قصور محكمة البناء، فنزل فى بعض تلك القصور، وأمر عبيده بكنسها، فكنست وفرشت من تلك الفرش التى معه، ثم قال لبعض عبيده ممن كان يثق بعقله: «امض (١) إلى ملك النوبة، وخذ لى منه أمانا على نفسى من القتل».
فخرج الغلام، وتوجّه إلى ملك النوبة، فغاب ساعة، ثم عاد ومعه قاصد من عند ملك النوبة، فلما دخل عليه، قال له:«إنّ الملك يقرأ عليك السّلام، ويقول لك، أجئت إليه محاربا أم مستجيرا»؟ فقال له الأمير عبيد الله:«ردّ عليه منى السّلام، وقل له قد جاء إليك ليستجير بك من عدوّ يريد قتله».
فمضى ذلك الرسول بالجواب، فغاب ساعة ورجع، وقال:«إنّ الملك قادم عليك فى هذه الساعة»، فقال الأمير عبيد الله لغلمانه وعبيده:«افرشوا ما معنا من الفرش»، وجعل فى صدر المكان مرتبة برسم ملك النوبة يجلس عليها، ثم صار يرتقب مجيئه.
فبينما هو على ذلك إذ دخل عليه غلامه، وقال له:«إنّ ملك النوبة قد أقبل»، فقام الأمير عبيد الله، وصعد إلى سطح القصر، فنظر إلى ملك النوبة، فإذا هو رجل أسود اللون، طويل القامة، نحيف الجسد، وعليه بردتان قد اتّزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ومعه عشرة من السودان حوله، ومعهم حراب بأسنّة؛ فلما رآه الأمير