للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

السلطان بالحضور ليستقر والى القاهرة، على عادته، ترك لبس الأمراء، وتزيّا بزىّ الفقراء، وجاور بجامع بنى أميّة، واستجار بالمصحف العثمانى، وامتنع من الحضور إلى مصر، وتشفّع أنّه ما بقى يلبس الولاية، ولا يضع على رأسه كلفتة، وقد لبس مرقّعة، وصار من جملة الفقراء؛ وأنّ نائب الشام قال: «هذا رجل فقير، قد قنع بالفقر، اتركوه فى حاله»، فتركوه؛ وكان الملك الظاهر برقوق أفحش فى حقّه، وضربه، وعصره، وصادره، وأخذ جميع أمواله، وسجنه بخزانة شمايل مدّة طويلة، فنفر قلبه من ابنه لما تسلطن، فكان كما قيل:

ترجو الوليد وقد أعياك والده … فما رجاؤك بعد الوالد الولدا

وفيه سار سودون الطيار على خيل البريد لكشف الأخبار، فدخل دمشق فى العشرين منه، وأخرج مرسوم السلطان، بتجهيز عساكر الشام إلى بلاد ابن عثمان (١)، فنودى فى البلاد بذلك؛ وتوجّه إلى حلب.

وفيه رسم الأمير أيتمش، الأتابكى، ليلبغا السالمى، الأستادار، بأن يبطل المظالم الحادثة، فأبطل من ذلك أشياء كثيرة، منها: تعريف منية بنى خصيب، وضمان العرصة، وأخصاص الغسّالين، وكتب بذلك مرسوما سلطانيا بعثه إلى الأشمونين، ونودى بإبطال ذلك فى سواحل البلاد، وفى منية بنى خصيب، ونقش على باب جامعها، فبطلت هذه المظالم.

وأبطل أيضا وفر الشون السلطانية، وكان فى كل سنة آلافا من الأرادب؛ وأبطل المقرّر على البرددار، وهو فى كل شهر سبعة [آلاف] (٢) درهم، والمقرّر على مقدّم المستخرج، وهو ثلاثة آلاف درهم فى كل شهر؛ وأبطل ما كانت السماسرة فى الغلال تأخذ من المبتاعين، وهو عن كل أردب درهمين، وكتب عليهم بأن لا يأخذوا عن كل أردب سوى نصف درهم؛ وأبطل أشياء كثيرة، كما قيل فى المعنى:

لم يبق للجود فى أيامكم أثر … إلا الذى فى عيون الغيد من حور


(١) عثمان: عثمن.
(٢) [آلاف]: تنقص فى الأصل.