وكان الظاهر برقوق أبطل هذه المظالم قبل موته، كما تقدّم ذكر ذلك.
وفيه جاءت الأخبار بأنّ ابن عثمان وصل إلى ملطية وملكها، ثم رجع إلى بلاده، ولم يشوّش على أحد من الرعيّة، وأمر عسكره أن لا ينهبوا من الناس شيئا ما، قيمته الدرهم الفرد؛ فلما جاءت هذه الأخبار، بطل أمر التجريدة، ومصادرات الناس، ولله الحمد، فكان كما قيل فى المعنى:
تصبّر إنّ عقبى الصبر خير … ولا تجزع لنائبة تنوب
فإنّ اليسر بعد العسر يأتى … وعند الضيق تنفرج الكروب
وقال آخر:
وما نوب الحوادث باقيات … ولا بؤس يدوم ولا نعيم
كما يفنى سرورك وهو جمّ … كذلك ما يسوءك ما يدوم
وفيه جاءت الأخبار بأنّ علاء الدين بن الطبلاوى، لما هرب من القدس، وتوجّه إلى تنم، نائب الشام، فصار هو المشار إليه عند تنم، وفتح بالشام أبواب المظالم، كما كان يفعل بمصر؛ فلما بلغ أيتمش ذلك، شقّ عليه، وندم على تركه فى القدس.
وأما نائب الشام، فإنّه لما استولى على قلعة دمشق، وصل إليه، فى سادس عشرين ذى القعدة، شخص ادّعى أنّه فداوى بعثه الأمير أيتمش ليقتله، وأحضر سكينا بدار السعادة، فوصله بمال، وصرفه، فتحدّث الناس أنّ هذه مكيدة ومقدّمة لإظهار الخلاف؛ وأخذ النائب يسبّ أيتمش فى مجلسه، ويظهر الخلاف عليه.
فلما قدم الأمير جانى بك اليحياوى دمشق، على نيابة القلعة، لم يمكّنه منها، وردّه، ومعه سونج بغا، أحد مماليكه، ليحلّف الأمراء، فحلف الأمراء، وعادا (١) إليه فى نصف ذى الحجّة، ومعهما تشريف، فلبسه إلى دار السعادة، ونزعه عنه، وألبسه الذى قدم به عليه؛ ودافع جانى بك عن القلعة، وأعاد مملوكه سونج بغا إلى مصر؛ وبعث إلى قلعة الصبيبة، فأفرج عن آقبغا اللكاش، وألجى بغا، الحاجب، وخضر الكريمى، واستدعاهم إلى دمشق، فقدموا عليه فى ثانى عشرين ذى الحجّة، وأنزلهم بدار السعادة.