ثم إنّ معاوية بن خديج أتى إلى عمرو بن العاص بكتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وتقليد له بولاية مصر.
قال ابن عبد الحكم: لما فتح عمرو بن العاص الحصن، وهو المسمّى الآن قصر الشمع، فكان فسطاطه قبالة الحصن، فلما أراد التوجه إلى الإسكندرية، أمر بنزع الفسطاط من ذلك المكان، فلما أرادوا ذلك، وجدوا عليه عشّ يمامة قد باضت به وأفرخت، فقال عمرو:«اتركوا الفسطاط على حاله احتراما لليمامة التى عشّشت عليه»؛ فلما فتح الإسكندرية وأراد التوجّه إلى الحصن، فقالوا له:«أين ينزل العسكر»؟ قال:«مكان الفسطاط»، يعنى الخيمة التى تركها هناك، فلما بنى (١) هناك المدينة، فسمّيت بمدينة الفسطاط بسبب ذلك.
قال ابن عبد الحكم: لما رجع عمرو بن العاص من الإسكندرية، شرع فى بناء مدينة تجاه قصر الشمع، وكان هذا الموضع يعرف بدار الحصا، فأنشأ هناك دارا يحكم فيها بين الناس، وسمّاها مدينة الفسطاط، فصارت دار المملكة، وهى أول مدينة بنيت فى الإسلام، وكان أولها من كوم الجارح، وآخرها عند الرصد، وصارت تتزايد فى العمارة من مبتدأ الإسلام، إلى أن أنشأ المعزّ القاهرة، فتلاشى أمر مدينة الفسطاط.
قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان: أول مدينة عرف اسمها بأرض مصر مدينة أمسوس، وكانت غربى الأهرام، يسكنها ملوك الجبابرة، فلما جاء الطوفان محارسمها، ونسى اسمها؛ ثم بعد الطوفان بنيت مدينة منف، وصارت دار المملكة، يسكنها الفراعنة، وآخر من سكنها من الفراعنة فرعون موسى، ﵇، إلى أن خربها بخت نصر؛ ثم صارت دار المملكة الإسكندرية، وسكن بها القبط، وآخر من سكنها من القبط جريج، المعروف بالمقوقس، وكان يصيّف بمصر، ويشتّى بالإسكندرية.
فلما جاءت دولة الإسلام، وفتحت مصر، فأنشأ عمرو بن العاص، رضى الله