للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ما فيها؛ وهى ثلاث مدائن، بعضها فوق بعض، تختطف بالأبصار من شدّة بياض حيطانها؛ وفيها من الأعمدة الرخام ما لا يحصى عددهم.

وبها منار فى وسط البحر، طوله نحو أربعمائة ذراع (١)، وفئ أعلاه مرآة مسلّطة على بلاد الفرنج، ينظر الرائى فيها ما يحدث فى بلاد الفرنج، ومن يقصد المدينة من العدو فى المراكب، فيخبر بذلك أهل المدينة، قبل وصول المراكب إليها بأيام، فيستعدوا (٢) لذلك، وهذا المنار من جملة عجائب الدنيا، ليس فى سائر الدنيا أعجوبة تشاكله.

وبها عمود، يقال له عمود السوارى، ارتفاعه سبعون ذراعا، وقطره خمسة أذرع، وله قاعدتان، طول كل واحدة اثنا عشر ذراعا؛ ووجدت بالمدينة أربعة آلاف دار محكمة البناء، مفروشة بالرخام الملوّن، وفى كل دار منها حمّام تختصّ بها؛ ووجدت بها أربعمائة ملهى برسم الملوك؛ ووجدت بها اثنى عشر ألف بقّال، يبيعون البقل الأخضر من بعد العصر إلى العشاء.

ووجدت بها مائة ألف مركب، من مراكب الروم، الكبار؛ ووجدت بها أربعين ألف يهودى وجبت عليهم الجزية؛ ومن الروم، والقبط، ستمائة ألف إنسان، سوى النساء والصبيان؛ ووجدت على هذه المدينة ثلاثة أسوار مانعة، فأعان الله تعالى، وفتحت هذه المدينة على أيدى المسلمين.

فلما جرى ذلك، أرسل أمير المؤمنين عمر، إلى عمرو بن العاص، تقليدا بولاية مصر، على يدى معاوية بن خديج، فكان عمرو بن العاص أول من تولّى على مصر فى مبتدأ الإسلام، وهو أول أمرائها. ثم إنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ، كتب إلى عمرو بن العاص كتابا يقول له فيه: «من كان من القبط، والروم، فى أيديكم، فخيّروه بين الإسلام ودينه، فإن أسلم، فهو من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وإن اختار دينه، فأبقوه على دينه، وقرّروا عليه فى كل سنة دينارين».


(١) ذراع: ذراعا.
(٢) فتستعدوا: كذا فى الأصل.