للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كل الحوادث مبدؤها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر

ويقرب من هذه الواقعة ما حكاه بعض المؤرخين، أنّ أهل قريتين تقاتلوا، حتى تفانوا عن آخرهم، على قطرة عسل، وسبب ذلك، أنّ رجلا نحّالا كان يبيع العسل، فوقف على زيّات ليبيعه عسلا، فبينما الزيّات يزن فى العسل، قطرت منه قطرة على الأرض، فوقع عليها زنبور، فوثب عليه قطّ كان فى دكان الزيّات، وهو عزيز عنده، فاختطف الزنبور، فرأى القطّ كلب كان مع صاحب العسل، فوثب على القطّ قتله، فلما رأى الزيّات قطّه قد مات، قام وضرب الكلب قتله، فلما رأى صاحب العسل كلبه قد مات، خرج من عقله، وكان عنده ذلك الكلب عزيزا، فوثب على الزيّات ضربه، فقتل، فلما رأى أخو الزيات أنّ أخاه قد قتل، وثب على صاحب العسل وقتله.

وكان صاحب العسل من قرية، والزيّات من قرية، فتسامع (١) أهل القريتين بذلك، فوقع بينهما الحرب، ولا زالا يقتتلان بالسيوف والرماح، حتى تفانيا [أهل القريتين] (٢) عن آخرهما، وكان سبب ذلك النقطة (٣) العسل التى أثارت هذه الفتنة العظيمة، فنعوذ بالله من آفات الجهل مع قلّة العقل، وقد قيل فى المعنى:

ألم تر أنّ العقل زين لأهله … ولكن تمام العقل طول التجارب

ومن هنا نرجع إلى أخبار الأتابكى منطاش: فلما سمع ما وقع للظاهر برقوق، علّق الجاليش، وعرض العسكر، ونفق عليهم نفقة السفر، وأخذ فى أسباب الخروج إلى نحو الشام؛ ولكن حصل من منطاش، لما تحرّك للسفر، غاية الضرر، حتى تمّنى كل أحد [من الناس] (٤) عود الملك الظاهر برقوق، مما جرى عليهم من منطاش.

منها أنّه أخذ خيول الطواحين جميعها، وعطّل الناس عن الدقيق، حتى عزّ الخبز من الأسواق، وصارت غلوة كبيرة؛ ومنها أنّه نادى فى القاهرة، أنّ متعمّما لا يركب فرسا مطلقا؛ ومنها أنّه قبض على جماعة من مماليك برقوق، وسجنهم بخزانة شمايل،


(١) فتسامع: فتسامعا.
(٢) [أهل القريتين]: عن فيينا ص ٣٠ آ.
(٣) النقطة العسل: كذا فى الأصل.
(٤) [من الناس]: نقلا عن فيينا ص ٣٠ آ.