للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما وصلوا إلى البيت الذى هو فيه، طلع إليه ألطنبغا الجوبانى بمفرده، فلما وقعت عينه على الملك الظاهر برقوق، جرى وقبّل يده، وقال للظاهر برقوق: «أنت أستاذنا كلنا، ونحن مماليكك قاطبة».

ثم إنّ برقوق قام ولبس عمامة، ولفّ عليها طيلسانا كبيرا، وركب على فرس، وألطنبغا الجوبانى إلى جانبه، ومعهم أبو يزيد الخازن (١)، الذى وجد عنده برقوق، فوضعه فى الحديد، وطلعوا به إلى القلعة وهو ماشى (٢)، وحوله جماعة الوالى وقد أشاعوا شنقه، فكان كما قيل [فى المعنى] (٣):

أحمّل نفسى كل وقت وساعة … هموما على من لا أفوز بخيره

كما سوّد القصّار فى الشمس وجهه … حريصا على تبييض أثواب غيره

فلما وصل الظاهر برقوق إلى سلّم المدرّج، نزل عن فرسه، واستمرّ ماشيا إلى الإيوان الكبير، فأدخلوه إلى قاعة النحاس المطلّة على الإيوان، فأقام بها؛ وقيل استمرّ راكبا إلى أن طلع من باب السلسلة، ونزل عن فرسه عند باب سرّ القصر الكبير، فدخل من هناك إلى قاعة النحاس.

ثم إنّ يلبغا أحضر أبا يزيد الخازن (١)، وقال: «بلغنا أنّ السلطان برقوق كان معه مال أودعه عندك»، فأخرج لهم أبو يزيد كيسا فيه ألف دينار، وقال: «والله ما أودع عندى غير هذا الكيس، وما أعلم ما فيه»، فقال له يلبغا: «والله لولا خاطر الملك الظاهر برقوق كنت شنقتك على باب دارك، أما سمعت المناداة ثلاثة أيام متوالية»؟ فقال أبو يزيد: «يا خوند أنا قد فرغت عن نفسى، ووقع منى الخطأ، وحسبت حساب التلف لأجل الملك الظاهر برقوق، فإنّه كان صاحبى، وبينى وبينه خبز وملح، واخترت الموت على الحياة، لأجله»، وقد قيل فى المعنى:

إذا اعتذر الجانى محا (٤) العذر ذنبه … وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب


(١) الخازن: فى فيينا ص ٢٤ آ: الخازندار.
(٢) ماشى: كذا فى الأصل.
(٣) [فى المعنى]: عن فيينا ص ٢٤ آ.
(٤) محا: محى.