للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال عبد الله بن عبد الحكم: لما كانت سنة ست من الهجرة، ورجع رسول الله، ، من غزوة الحديبة، بعث قصّاده إلى الملوك، يدعوهم إلى الإسلام، فبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس، عظيم القبط بمصر، فلما دخل حاطب إلى مصر، وجد المقوقس بالإسكندرية، فتوجّه حاطب إلى الإسكندرية، فوجد المقوقس فى قصر يشرف على البحر، فأشار إليه بكتاب رسول الله، ، بين أصبعيه، فلما رآه أشار لمن حوله بأخذ الكتاب منه، فلما وصل إليه وجده مختوما (١) بخاتم رسول الله، ، فقبّله ووضعه على عينيه.

فلما فضّه وقرأه، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد، رسول الله، إلى المقوقس، عظيم القبط، السّلام على من اتّبع الهدى، أما بعد، فإنّى أدعوك بدعوة الإسلام فأسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين «يا أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولّوا فقولوا، اشهدوا بأنّا مسلمون».

فلما فهم ما فى كتاب رسول الله، ، أخذه ووضعه فى حقّ من عاج، وختم عليه بالرصاص، وتركه عنده.

قال أبان بن صالح: إنّ المقوقس أرسل إلى حاطب ذات ليلة، وخلا به، وليس عنده أحد إلا ترجمانه، فقال لحاطب: «ألا تخبرنى عن أمور إذا سألتك عنها، فإنّى أعلم أنّ صاحبك قد تخيّرك حين بعثك»؟ فقال حاطب: «لا تسألنى عن شئ إلا صدقتك عليه»، فقال له المقوقس: «ما منع نبيّكم أن يدعو علىّ فأسلب من ملكى»؟ فقال حاطب: «ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى (٢) عليه».

فسكت عنه المقوقس ساعة، ثم قال له حاطب: «إنّه قد كان قبلك رجل، زعم أنّه الربّ الأعلى، فانتقم الله منه، فاعتبر أنت بغيرك، ولا يعتبر بك، وما بشارة موسى بعيسى بن مريم، إلا كبشارة عيسى بمحمد، صلّى الله عليه».


(١) مختوما: مختوم.
(٢) أبى: أبا.