النيل إذا زاد ينفرش على الأرض، ثم ينهبط ولا ينتفع به فى أمر الزرع؛ وهذه أول شدّة نزلت بأرض مصر، ولم تزل مصر من بعد ذلك مقهورة من العدو.
قال ابن لهيعة: لم تزل مصر ممتنعة من العدو، ومن بعد غرق فرعون، ستمائة سنة، بما دبّرته دلوكة من السحر العظيم، الذى كان بالبربا، فلما خربت البربا طمع فيها العدو.
ثم بعد ذلك تراجع إلى مصر جماعة من القبط وعمروا ما أخربه بخت نصّر منها، وتراجعت أحوالها قليلا، قليلا؛ وآخر من حكم بها من القبط: المقوقس، وكان اسمه جريج بن منباهى، وقد أقام فى ملكه بمصر إحدى وثلاثين سنة.
وفى أيامه جاءت الروم، وفارس، إلى مصر، وحاربوا أهلها نحو ثلاث سنين من البرّ والبحر، فلما رأى المقوقس ذلك، صالح الروم، على أن يدفع إليهم قدرا معلوما فى كل سنة، ويقرّوهم بمصر على عادتهم، ويكونوا القبط فى ذمّة الروم.
ثم إنّ الفرس ظهرت على الروم، فغلبوهم، فصالحوا القبط الفرس، كما صالحوا الروم، وأقامت مصر بين الروم والفرس، نصفين، نحو سبع سنين، ثم تحاربت الروم مع الفرس، فتظاهرت عليهم الروم، وكسروا الفرس أشدّ كسرة، وكان ذلك على عهد رسول الله، ﷺ، وقد نزلت هذه الآية: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾
قال الليث بن سعد،﵁: لما ملكت الفرس مصر، أسّست بناء الحصن، وهو المسمّى الآن قصر الشمع، فلما بلغ هرقل ذلك، أمدّ المقوقس، صاحب مصر، بعساكر عظيمة وحارب الفرس أشدّ المحاربة، فطردهم عن مصر، وأقام بنصرة صاحب مصر، المقوقس. واستمرّ المقوقس على مصر إحدى وثلاثين سنة، حتى فتحت على يد عمرو بن العاص (١)، ﵁، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
(١) العاص: العاصى. وقد وردت العاصى فيما يلى فى بعض المواضع، وصححناها لتوحيد الصيغة.