للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم إنّ النساء أجمعن رأيهن على أن يولّين عليهن امرأة، يقال لها دلوكة، ابنة ريا، وكانت ذات عقل ومعرفة، وكان لها من العمر نحو مائة سنة، فملّكوها عليهم، فبنت على أرض مصر حائطا من أسوان إلى العريش، وحاشت بها قرى مصر وضياعها، وجعلت على تلك الحائط أجراسا من نحاس، فإذا أتاهم من يخافونه، حرّك الأجراس الموكلون بها من كل جانب، فيسمعها من بالمدينة فيستعدّون لذلك؛ وآثار هذا الحائط باق إلى الآن ببلاد الصعيد، وتسمّى حائط العجوز.

قال ابن عبد الحكم: لما ملكت دلوكة مصر، أرسلت خلف امرأة ساحرة من أنصنا، يقال لها تدورة، وكانت مشهورة بالسحر، فقالت لها دلوكة: «إنا قد احتجنا إلى شئ من سحرك، يمنع عنا من يقصد بلادنا بسوء»؛ فعملت تلك المرأة بربا من الحجر الصوان، فى وسط مدينة منف، وجعلت لها أربعة أبواب، إلى الجهات الأربع، ونقشت على كل باب منها صور الرجال، والخيل، والإبل، والحمير، والسفن، وقالت لدلوكة: «قد عملت لكم عملا تهلكون به من أراد لكم بسوء، من برّ أو بحر»؛ فكانوا إذا قصد إليهم أحد من الملوك، وعجزوا عن قتاله، دخلوا إلى تلك الصور التى فى البربا، وقطعوا رءوس تلك الصور أو فقأوا أعينها، فمهما فعلوه فى تلك الصور فيؤثر مثل ذلك فى عسكر العدو الذى يقصدهم، فامتنعت عنهم الملوك لأجل ذلك.

فأقامت دلوكة على ملك مصر نحو مائة وثلاثين سنة، ولم تزل مصر ممتنعة من العدوّ فى مدّة حياتها؛ وأقامت البربا على ما ذكرناه بعد هلاك الساحرة التى صنعتها، فكان كلما فسد منها شئ لا يقدر على إصلاحه إلا من يكون من نسل تلك العجوز الساحرة، فلما انقطع نسلها خربت تلك البربا، فلم يقدر أحد على إصلاحها من بعد ذلك.

ولما هلكت دلوكة بنت ريا، تولّى على مصر بعدها شخص من أولاد القبط، يقال له دركون بن بلطوس.