للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما لبس التشريف أشرط على السلطان شروطا كثيرة فى أمر القضاء، فأجابه السلطان إلى ذلك، ونزل من القلعة فى موكب حفل، وقدّامه القضاة والنوّاب، حتى أتى إلى المدرسة الصالحية، وكان يوما مشهودا.

وفيه حضر قاضى القضاة الشافعى بهاء الدين أبى البقا السبكى، وقاضى القضاة برهان الدين إبراهيم الأخناى المالكى، فى مجلس، فجرى بينهما مجادلة فى مسألة، وكان أبو البقا السبكى بحر علم لا يدركه الأخناى، فأنجز الكلام بينهما إلى أن قال أبو البقا: «لو كان الإمام مالك حيّا لناظرته فى هذه المسألة».

فعدّ ذلك الأخناى خروجا من الدين، وقال: «إيش أنت حتى تناظر الإمام مالك فى هذه المسألة، والله لو كان غيرك لفعلت به كذا»، يعنى ضرب عنقه؛ فاتّفق أنّ القاضى أبو البقا السبكى عزل بعد مضىّ هذا المجلس بعشرة أيام، فعدّ ذلك من كرامات الإمام مالك، رحمة الله تعالى.

وفى شهر جمادى الأولى، وقعت حادثة غريبة، وهو أنّ السلطان رسم للسادة الأشراف قاطبة، الرجال والنساء، أن يجعلوا فى عمائمهم شطفات خضر، ليمتازوا بها عن غيرهم، وتعظيما لقدرهم، ولم يكن قبل ذلك للسادة الأشراف علامة يتميزّون بها عن غيرهم، وقد وقع ما أوجب ذلك فى تميّز الأشراف عن غيرهم، فنادى لهم فى القاهرة بذلك، فامتثلوا أمره المتدارك.

وقد قالت الشعراء فى هذه الواقعة قولا لم يسلك فيه سالك، وقد قالوا فى ذلك عدّة مقاطيع، تغنى عن المواصيل، فمن ذلك قول الشيخ شهاب الدين بن جابر المغربى الأندلسى، وهو قوله:

جعلوا لأبناء الرسول علامة … إنّ العلامة شأن من لم يشهر

نور النبوّة فى كريم وجوههم … يغنى (١) الشريف عن الطراز الأخضر

وقال الشيخ بدر الدين محمد بن حبيب:

عمائم الأشراف قد تميّزت … بخضرة رقّت وراقت منظرا


(١) يغنى: تغنى.