للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بأن يخلع الملك المنصور من السلطنة، فوافقه سائر الأمراء على ذلك.

فأحضر الخليفة، والقضاة الأربعة، وخلعه من السلطنة فى ذلك اليوم، وأدخله فى مكان بدور الحرم بالقلعة، فسجنه به، ووكّل به جماعة من الخدّام، يحفظونه.

فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية سنتين وثلاثة أشهر وستة أيام، ولم يكن له فى السلطنة سوى مجرّد الاسم فقط، والأمر والنّهى للأتابكى يلبغا.

واستمرّ مقيما بدور الحرم إلى أن مات فى ليلة السبت تاسع شهر المحرّم سنة إحدى وثمانمائة، فى دولة الظاهر برقوق، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه.

فكان الملك المنصور فى مدّة سجنه بالقلعة يسلّى نفسه عن الملك بشرب الراح، وسماع المغانى، ومشاهدة الملاح، فكان لا يصحو (١) من السكّر ليلا ولا نهارا.

وكان عنده جوقة مغانى نحو عشرة جوار، يزفّون (٢) بالطارات عند الصباح، وعند المساء؛ وكانت هذه عادة رؤساء أهل مصر، يقنوا عندهم الجوار المغانى، وآخر من كان يفعل ذلك الأمير جمال الدين محمود، الأستادار.

ثم بطل ذلك من مصر مع جملة ما بطل من محاسن عيشة الأكابر، ولأجل ذلك اتّخذوا الأغانيات التى تشرف على الدور، وجعلوها برسم الجوار المغانى، التى يزفّون عند الصباح، وعند المساء.

ولما مات الملك المنصور، استمرّت جواريه المغانى [يعملون الأفراح للناس، وكانوا يعرفون] (٣) بجوقة المنصور.

ومات الملك المنصور وله من العمر نحو خمسة وخمسين سنة، ودفن فى تربة جدّته، أمّ أبيه، خوند طغلى، التى بباب المحروق؛ وخلّف من الأولاد خمسة ذكور، ومنهم بنتان؛ وكان قانعا بالعيشة الطيّبة، واستغنى بها عن الملك، فكان كما يقال فى المعنى:


(١) يصحو: يصحوا.
(٢) عشرة جوار يزفون: كذا فى الأصل، ولاحظ الأسلوب العامى فيما يلى أيضا.
(٣) يعملون … وكانوا يعرفون: كذا فى الأصل.