للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دار النحاس، وأراضى الروضة، ونبع الماء من الجسر الأعظم، الذى بالقرب من قناطر السباع، وكان أمرا مهولا، وظنّ الناس أنّ الله تعالى قد أرسل عليهم الطوفان.

فلما زاد قلق الناس فى هذا الأمر، خرج شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، إلى جامع الأزهر، ودعا إلى الله تعالى، فانهبط (١) فى ليلة واحدة أربعة أصابع، واستمرّ يتناقص فى كل يوم، حتى انكشفت الطرقات، وحصل بذلك للمزارعين غاية الضرر، لتبحّر الأراضى ومكث الماء عليها؛ وقد عمل فى هذه الواقعة الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة، مقامة لطيفة، تشتمل على نظم ونثر فى المعنى، ولم يقع بعد هذه الزيادة مثلها بمصر أبدا، انتهى ذلك.

وفى هذه السنة، تزايدت عظمة الأتابكى صرغتمش إلى الغاية، وثقل أمره على السلطان، فأشار عليه بعض الأمراء بأن يبادر ويقبض على صرغتمش: «وإن لم تبادر (٢)، ويقبض عليه، وإلا يبادر هو ويقبض عليك، وتندم أنت بعد ذلك الذى ما بادرت إليه»؛ وقبض عليه، فكان كما قيل فى المعنى، قول القائل:

وربما فات بعض النّاس حاجته … مع التوانى وكان الرأى لو عجلا

فلما كان يوم الاثنين حادى عشرين شهر رمضان، عمل السلطان الموكب، وحضرت الأمراء، وطلع الأتابكى صرغتمش، فاجتمعوا فى الإيوان على جارى العادة؛ فلما تكامل الموكب، أمر السلطان بالقبض على الأتابكى صرغتمش، وهو واقف فى الإيوان.

فلما أشيع ذلك فى الرملة، [ركبت مماليك صرغتمش، ولبست] (٣) آلة الحرب، وكان عدّة مماليك صرغتمش يومئذ ثمانمائة مملوك (٤)، فوقفوا فى سوق الخيل؛ فنزل إليهم جماعة من المماليك السلطانية، وأرموا عليهم بالنشاب، واتّقعوا معهم ساعة يسيرة، فولّوا مماليك صرغتمش مهزومين، وهربوا نحو بركة الحبش.


(١) فانهبط: كذا فى الأصل.
(٢) تبادر: يبادر.
(٣) ركبت … ولبست: كذا فى الأصل.
(٤) مملوك: مملوكا.