للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسكية فى الدولة التركية»، على ما شرح هنا بالتمام والكمال.

فلما انتهى موجود ابن زنبور، احتاط عليه السلطان جميعه، وعجب من ذلك؛ ثم إنّ السلطان أحضر الصاحب علم الدين بن زنبور بين يديه، وقال له: «كيف كنت تشكو (١) لى كل وقت، وتقول: أنا باخصر (٢) فى الوزارة كل سنة جملة مال؟ فكيف كنت تخصر (٣) وعندك هذه الأموال كلها»؟

فبطحه على الأرض، وضربه ضربا مبرحا، ورسم بنفيه إلى قوص، فنفى إلى قوص، وأقام بها مدّة يسيرة ومات هناك، ودفن بقوص؛ [وقيل رسم السلطان بنفيه إلى بلده دميرة فأقام بها إلى أن مات، ودفن بها] (٤).

وكان قد جمع بين الوزارة، ونظارة الخاص، والأستادارية؛ وكان له بمصر حرمة وافرة، وكلمة نافذة، فى تلك الأيام؛ وقد عجبوا الناس لابن زنبور، كيف حوى هذا المال الجزيل فى هذه المدّة اليسيرة؛ ولكن قد زال عنه ماله وجاهه بسرعة، كأنّه لم يكن، وقد قيل: «المال كالماء، من استكثر منه، غرق فيه».

وقد قال القائل فى المعنى:

خذ القناعة من دنياك وارض بها (٥) … واختر لنفسك منها راحة البدن

وانظر لمن قد حوى مما سمعت به … هل ناله غير بعض القطن والكفن

وقال الزمخشرى فى المعنى:

وقائله أرى الأيام تعطى … لئام الناس من رزق حثيث

وتمنع من له شرف وفضل … فقلت لها خذى أصل الحديث

رأت حلّ المكاسب من حرام … فجادت بالخبيث على الخبيث


(١) تشكو: تشكوا.
(٢) باخصر: كذا فى الأصل، ويعنى أنه يخسر. ويلاحظ استعمال الباء فى الفعل المضارع.
(٣) تخصر: كذا فى الأصل، ويعنى تخسر.
(٤) وقيل … ودفن بها: كتب المؤلف فى الأصل هذه العبارة على هامش الصفحة.
(٥) وارض بها: وارضبها.