للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفى أوائل هذه السنة، كانت وفاة الإمام العالم العلامة، الشيخ زين الدين عمر ابن مظفر بن الوردى المعرّى الكندى الشافعى، رحمة الله عليه، وكان من أعيان علماء الشافية؛ وكان عالما فاضلا، نحويّا، فقيها، ناظما، ناثرا، شاعرا ماهرا؛ وهو مؤلّف كتاب البهجة فى النحو، وله عدّة تآليف فى علوم جليلة؛ وكان ولى قضاء الشافعية بدمشق فى أواخر عمره؛ وفيه يقول الصلاح الصفدى:

يا سائلا عمن غدا فضله … مشتهرا فى القرب والبعد

الناس زهر نابت فى الثرى … وما نرى أذكى من الوردى

قال الشيخ شمس الدين الذهبى: كان الشيخ زين الدين بن الوردى فى مبتدأ عمره ضيّق المعيشة، رثّ الهيئة، فكان يزدريه من يراه، فدخل الشام وهو على تلك الهيئة، وأتى إلى مجلس القاضى نجم الدين بن صصرى (١)، فجلس مع الشهود، فاستخفّت به الشهود وأجلسوه فى طرف المجلس، فحضر فى ذلك اليوم مبايعة بمشترى كرم فى أرض بغوطة دمشق، فقال بعض الشهود: اعطوا المعرّى يكتب هذه المبايعة، وذلك على سبيل الاستهزاء به، فأخذ الشيخ زين الدين الورقة، ومسك القلم بيده، وقال:

أكتب لكم هذه المبايعة نظما أو نثرا؟ فتزايد استهزاؤهم به، فقالوا له: بل اكتبها لنا نظما، فأقام ساعة يسيرة وهو يكتب، ثم عرض عليهم ما كتبه، فإذا هو قوله:

باسم إله الخلق هذا ما اشترى … محمد بن يونس بن سنقرا

من مالك بن أحمد بن الأزرق … كلاهما قد عرفا من جلق

فباعه قطعة أرض واقعة … بكورة الغوطة وهى جامعة

أشجارها مختلف الأجناس … والأرض فى البيع مع الغراس

وذرع هذه الأرض بالذراع … عشرون فى الطول بلا نزاع

وذرعها فى العرض أيضا عشرة … وهو ذراع باليد المعتبرة

وحدّها من قبلة ملك التقى … وحايز الرومى حدّ المشرق

ومن شمال ملك أولاد على … والغرب ملك عامر بن جهيل


(١) صصرى: صرصرى.