للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الشام، فكان من جملته ذهب عين خمسين ألف دينار، فأصرف السلطان ذلك المال جميعه على الحمام، فصنع لهم خلاخل ذهب فى أرجلهم، وألواح ذهب فى أعناقهم، وصنع لهم مقاصير خشب، مطعّمة بالعاج والأبنوس، وأقام لهم غلمان يكلفونهم، ورتّب لهم فى كل شهر جوامك، بسبب خدمة الحمام، فأفنى ذلك المال الذى وصل من الشام، جميعه، على ما ذكرناه من أمر الحمام.

قال الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة، فى ترجمته للملك المظفّر حاجى، هذا: «وقد اشتغل بلعب الطيور، عن تدبير الأمور، والنهى (١) عن أمر الأحكام، بالنظر إلى الحمام، فجعل السطح داره، والشمس سراجه، والبرج مناره، وأطاع سلطان هواه، وخالف من نهاه، وخرج فى ذلك عن الحدّ، ولا صار يعرف الهزل من الجدّ».

واستمر على ذلك، حتى صار لا يبات فى القصر ليالى المواكب، واستخفّ بالأمراء، فعند ذلك تغيّرت خواطر الأمراء عليه؛ فلما تزايد هذا الأمر منه، دخل فى أثناء الشهر الأمير جبغا، رأس نوبة النوب، وكان مسافرا فى البلاد الشامية؛ فلما بلغه هذه الأخبار عن السلطان، طلع إلى القلعة بعد الظهر، وخلا بالسلطان، وعنّفه عن هذه الأمور الشنيعة، الذى بتقع (٢) منه.

فلما سمع كلامه، غضب، وقام من وقته، وطلع إلى السطح، وذبح الحمام التى عنده جميعها عن آخرها (٣)، وخرّب تلك المقاصير التى كانوا (٤) فى السطح، وأرسل إلى الأمير جبغا، وهو يقول له: «إنّى قد ذبحت ما عندى من الحمام جميعها، وأنا، إن شاء الله تعالى، أذبح فى هذا القرب خياركم من الأمراء، كما ذبحت الحمام».

فلما بلغ الأمير جبغا هذا الكلام، دخل إلى نائب السلطنة، وذكر له ما قاله


(١) والنهى: والنها، وهو من اللهو.
(٢) الذى بتقع: كذا فى الأصل.
(٣) التى عنده جميعها عن آخرها: كذا فى الأصل، ويلاحظ الأسلوب العامى فيما يلى.
(٤) كانوا: كذا فى الأصل.