وكان سبب تسميته بكجك، فهو لفظ أعجمىّ، معناه بالعربى «صغيّر»(١)؛ فكأن والده لحظ فيه، حال التسمية، أنّه سيلى بعده الملك وهو صغيّر، فسمّاه كحك؛ والملوك لهم فراسة فى الأمور قبل وقوعها.
وكان جلوسه على سرير الملك، يوم الاثنين حادى عشرين صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة؛ فلبس شعار الملك، وركب من باب الستارة، والأمراء بالشاش والقماش، وهم مشاة بين يديه، حتى دخل إلى القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، ودقّت له فى ذلك اليوم البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء.
فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب، وأخلع على المقرّ السيفى قوصون، وقرّره نائب السلطنة بمصر، وأتابك العساكر، فتضاعفت حرمته، وتزايدت عظمته، فكان كما يقال فى المعنى:
إذا تمّ أمر بدا نقصه … توقّ زوالا إذا قيل تمّ
ثم إنّ قوصون سكن بدار النيابة، التى بالقلعة، وتصرّف فى أمور المملكة بما يختار، فبدا له أن يقبض على الأمير طقز دمر، نائب السلطنة، وهو صاحب القنطرة التى عند درب الشمسى، فلما قبض عليه، نفاه إلى ثغر دمياط؛ ثم قبض على جماعة من الأمراء من بعد ذلك، ونفاهم إلى ثغر الإسكندرية.
وأخلع على جماعة من الأمراء غير هؤلاء، ممن كانوا من عصبته، وقرّرهم فى وظائف سنيّة؛ وفرّق الإقطاعات على من كان من حلفه من الجند؛ وعزل من عزل، وولّى من ولّى، وظنّ أنّ الدهر قد صفا له، «وعند صفو الليالى يحدث الكدر».
فكان إذا حضرت العلامة، يأخذ الأمير قوصون القلم بيده مع يد الأشرف كجك، ويريه كيف يكتب على المراسيم، والمناشير، والمربعات؛ وكان الأشرف كجك مع قوصون، كالعصفور فى يدى النسور، فاضطربت أحوال الديار المصرية فى تلك الأيام، وتعطّلت أحوال البلاد الشامية، وضاعت مصالح الرعيّة.