للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الترب الجليلة، ولا سيما بمزارات (١) الأولياء التى بها، وفيها يقول بعض الشعراء:

تعجّبت من أمر القرافة إذ غدت … على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو

فألفيتها مأوى الأحبّة كلهم … ومستوطن الأحباب يصبو له القلب

وقال العميدى:

إذا ما ضاق صدرى لم أجد لى … مقرّ عبادة إلا القرافة

لئن لم يرحم المولى انكسارى … وقّلة ناصرى لم ألق رأفة

واستمرّت القرافة تتزايد فى العمارة إلى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وكانت الناس يرغبون فى سكناها، ويخيّرونها على سكنة (٢) المدينة؛ ولم يزالوا على ذلك حتى ظهر بالقرافة شئ يقال له القطربة، فكانت تنزل من الجبل المقطم فى الليل، وتختطف الأولاد الصغار الذين (٣) فى الترب، فلما تزايد أمر القطربة، رحل من القرافة أكثر الناس خوفا على أولادهم، فهذا كان سببا لخراب القرافة، وتلاشى أمرها من يومئذ.

وقد حكى عن هذه القطربة، أنّها كانت تنبش قبور الموتى، وتأكل أجوافهم، وتتركهم مطروحين على الأرض، فعند ذلك امتنع الناس من الدفن فى القرافة، واستمرّ ذلك مدّة طويلة حتى انقطع خبر تلك القطربة.

وحكى أنّ شخصا خرج من أطفيح، وهو راكب على حماره فى الليل، فلما وصل إلى حلوان، رأى امرأة جالسة على الطريق، فشكت له من ضعف المشى، فحملها خلفه، فلم يشعر بالحمار إلا وقد سقط ميّتا، فنظر إلى المرأة وإذا بها قد خرقت جوف الحمار بمخاليبها، ففزع الرجل خوفا منها على نفسه.

فلما أشيع أمره بين الناس، فكانت الأتراك تخرج إلى حلوان بالقسى والنشاب، فلم يقدروا على تحصيل تلك القطربة، ورأوا إلى الحمار ميّتا، وقد أكلت جوفه عن


(١) بمزارات: بمزاراة.
(٢) سكنة: كذا فى الأصل.
(٣) الذين: الذى.