للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكان أصل الأتابكى بكتمر من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما مات أخذه الملك الناصر مع جملة موجود الملك المظفر بيبرس، فحظى عنده حتى جعله فى أول يوم ساقيا، ثم صار يرقى (١) فى دولة الملك الناصر، حتى بقى أتابك العساكر، وأزوجه السلطان بأخته، ورقى (٢) فى تلك الأيام حتى كاد أن يكون هو السلطان.

قيل، لما مات الأتابكى بكتمر، رقى (٢) من بعده الأمير قوصون، فأنعم عليه السلطان بزردخانة الأتابكى بكتمر، فقوّم ما فيها من السلاح وغيره، فكان بستمائة ألف دينار.

ثم إنّ الملك الناصر أزوج الأمير قوصون بإحدى بنانه، وصار صهر السلطان كما كان الأتابكى بكتمر، بل فاقه فى العزّ والعظمة، ووقع له أمور فى تصرّف المملكة، ما لا وقع للأتابكى بكتمر، كما سيأتى ذكر ذلك فى مواضعه.

ومن النكت اللطيفة، قيل، وقع يوما تشاجر بين الأتابكى بكتمر، وبين الأمير قوصون، فقال قوصون للأتابكى بكتمر: «أنا ما نقلت من الأطباق إلى الاصطبلات، بل أخذنى السلطان من شخص تاجر كنت فى خدمته، فلما أخذنى اتّفق أنّ شخصا من الخاصكية توفّى فى ذلك اليوم، فأنعم علىّ السلطان بإقطاعه وبركه وبيته، وصرت خاصكيا فى ذلك اليوم، ولم أدخل تحت رقّ».

وسبب ذلك، أنّ التاجر الذى كان عنده قوصون، لما قال له السلطان: «بعنى (٣) هذا المملوك»، فقال التاجر: «هو حرّ لوجه الله تعالى»، فأخذه السلطان برضاه، وجعله فى ذلك اليوم خاصكيا (٤)، ولم يقعد فى طبقة، ولم يكن تحت حكم أغاة يتصرّف فى أمره؛ فلما سمع الأتابكى بكتمر كلام قوصون، ما وسعه إلا السكوت، انتهى ذلك.


(١) يرقى: يرقا.
(٢) ورقى: ورقا.
(٣) بعنى: بيعنى.
(٤) خاصكيا: خاصكى.