للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما وصل إلى خندق القلعة، مدّله جسر من الخشب ليعبر عليه إلى القلعة، فلما مشى (١) عليه، تكاثرت حوله المماليك، فانكسر الجسر من تحت أرجلهم، بعد أن تقدّم فرس السلطان بخطوتين، فتساقطت المماليك إلى الخندق، فانصدع منهم جماعة كثيرة، ومات منهم واحد فى الخندق، فتنكّد السلطان لذلك؛ فلما طلع إلى قلعة الكرك أقام بها، ونزل نائب الكرك سكن بالمدينة هو وعياله.

قيل، لما رحل السلطان من العقبة، وتوجّه إلى الكرك، رجع الأمراء الذين (٢) كانوا معه إلى القاهرة، فدخلوا يوم السبت ثالث عشرين شوّال.

فلما بلغ بقيّة الأمراء مجيئهم، ركبوا جميعا وطلعوا إلى القلعة، فلما وقفوا على مطالعة السلطان بأنّه رغب عن الملك، وأشهد عليه بالخلع، واختار الإقامة بالكرك.

فلما تحقّقوا ذلك اشتوروا الأمراء فى بعضهم، وقالوا: «إن عاودنا السلطان فى العود إلى الملك، نخشى أنّه لا يجيب إلى ذلك، وتطمع العربان فى البلاد إلى أن يعود الجواب إلينا بما يكون»، ثم انفضّوا ولم ينتظم لهم أمر.

فلما كان وقت الظهر، اجتمع الأمراء بدار النيابة، وضربوا مشورة فيمن يولّوه (٣) السلطنة؛ وكانت الكلمة يومئذ مجتمعة فى سلار، نائب السلطنة، فتكلّم الأمراء معه بأن يتسلطن، فامتنع من ذلك، وحلف بالطلاق من نسائه أنّه ما يتسلطن.

فترشّح أمر الأتابكى بيبرس الجاشنكير إلى السلطنة، وأنّ سلار يكون نائب السلطنة على حاله، فانتظم الأمر على ذلك، وتحالفوا الأمراء على السمع والطاعة لبعضهم، وتولى بيبرس الجاشنكير.

فكانت مدّة الملك الناصر فى هذه السلطنة الثانية، عشر سنين وأياما، وسيعود إلى السلطنة ثالث مرّة، كما يأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء (٤) الله تعالى.


(١) مشى: مشا.
(٢) الذين: الذى.
(٣) يولوه: كذا فى الأصل.
(٤) إن شاء: إنشاء.