للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بين السطور: «وقد أمرنا بأن تكشف عن رعايانا هذه الظلامة، ونستجلب بذلك الدعاء إلينا من الخاصة والعامة»؛ فهو أول من حشا بخطّه فى المراسيم من الملوك، ولم يفعل ذلك غيره من الملوك.

فلما حضر شمس الدين بن السلعوس من مكّة، جاء صحبة مبشّر الحاج، وقد جدّ السير.

قلت (١): وكان أصل ابن السلعوس من دمشق، وكان تاجرا، فجاء إلى مصر، وكان له خطّ جيّد فسعى عند الأشرف خليل، وهو أمير فى أيام والده قلاون، فجعله ناظر ديوانه، وصار يتّجر له فى الأصناف من البضائع نحو البلاد الشامية، فيحصل له فى كل سنة جملة مال من الفوائد؛ فحظى ابن السلعوس عند الأشرف خليل، حتى صار نديمه، لا يصبر عنه ساعة واحدة؛ فلما بلغ الملك المنصور ذلك، أمر بنفى ابن السلعوس إلى مكّة، فأقام بها إلى أن مات المنصور قلاون.

فلما تسلطن الأشرف خليل، أرسل خلفه بالحضور على يد نجّاب، فلما حضر، استقرّ به وزيرا، عوضا عن الشجاعى، وفوّض إليه أمور المملكة، يتصرّف فيها حسبما يختار، فكان إذا نزل من القلعة، نزل معه الأمراء، ورءوس النوب بالعصى قدّامه، يفسحوا (٢) الناس، وكانت القضاة الأربعة تركب قدّامه كل يوم خميس واثنين، إلى أن ينزل إلى بيته حسبما رسم له السلطان بذلك؛ وكانت القصص تقرأ عليه، فينفّذ أمرها من غير مشورة السلطان.

ونال من العزّ والعظمة، ما ناله جعفر البرمكى أيام الرشيد؛ ثم صار ابن السلعوس يبيت عند السلطان، ويقضى حوائج الناس من صعبها لسهلها، كما قيل فى المعنى:

ملك إذا قابلت بشر جبينه … فارقته والبشر فوق جبينى

وإذا لثمت يمينه وخرجت من … أبوابه لثم الملوك يمينى


(١) قلت: ابن إياس يعنى نفسه.
(٢) يفسحوا: كذا فى الأصل.