وقصد التوجّه إلى القاهرة؛ فجمع معه عربان جبل نابلس، وعسكر دمشق، وعسكر صفد، وعسكر طرابلس.
فلما وصل إلى غزّة، نفق على ذلك العساكر؛ فأخذوا منه النفقة، ثم صاروا يتسحّبون من عنده قليلا، قليلا، حتى لم يبق معه سوى العسكر المصرى؛ فلما خرج من غزّة، جدّ فى السير حتى دخل سرياقوس.
فلما بلغ الأمراء الذين (١) بمصر مجئ السلطان، خرجوا على حمية ليقتلوه؛ وكان من لطف الله تعالى فى ذلك اليوم ضباب ثقيل فى الجوّ، فستر الله عليه حتى طلع إلى القلعة، ونجا بنفسه.
فلما بلغ الأمراء طلوع السلطان إلى القلعة، رجعوا من المطرية، وحاصروه بالقلعة سبعة أيام؛ فلما رأى من كان عنده فى القلعة أنّ حاله قد تلاشى، صاروا يتسحّبون من عنده، وينزلون إلى الأمراء فى الرملة.
فلما رأى الملك السعيد عين الغلب، أرسل خلف أمير المؤمنين أحمد الحاكم بأمر الله، ليمشى بينه وبين الأمراء، فيما يكون من المصلحة فى ذلك، فنزل إليهم الإمام أحمد، وقال لهم:«إيش آخر هذا الأمر، وما قصدكم»؟ قالوا:
«قصدنا يخلع نفسه من السلطنة، ويمضى إلى الكرك».
فرجع الإمام أحمد إلى الملك السعيد، وأخبره بما قالوه الأمراء، فأشهد على نفسه بالخلع من السلطنة، بحضرة أمير المؤمنين والقضاة، وأرسل الخلع إلى الأمراء، وخرج من يومه إلى الكرك، وكان الأمير بيدغان سمّ الموت متسفّرا عليه.
فكانت مدّة سلطنة الملك السعيد محمد بن الظاهر بيبرس بالديار المصرية، نحو سنتين وشهرا وأياما.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ العرب خرجوا على الحجّاج فى أثناء الطريق، ونهبوا جميع أموالهم، وقتلوا منهم جماعة؛ وكان أمير المحمل فى تلك السنة، الأمير بورى، فلما جرى ذلك هرب، وفى ذلك يقول المعمار: