للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما مات أخلع السلطان على القاضى محيى الدين عبد الله بن عزّ الدولة، واستقرّ به قاضى القضاة الشافعية، عوضا عن ابن بنت الأعزّ.

وفى هذه السنة، فى النصف من شعبان، أمر السلطان بإبطال ضمان الحشيش، وإحراقها؛ وأخرب بيوت المسكرات، وكسر ما فيها من الخمور، وأراقها؛ ومنع الحانات من الخواطئ؛ واستتوب العلوق واللواطى؛ وعمّ هذا الأمر سائر جهات الديار المصرية، وبرزت المراسيم الشريفة بمنع ذلك من سائر الجهات بالبلاد الشامية؛ فطهرت فى أيامه سائر البقاع وامتنع الناس من ذلك غاية الامتناع.

ثم فى أثناء ذلك ظفر والى الشرطة بشخص يسمّى ابن الكازرونى، وهو سكران، فأشهره فى القاهرة، وعلّق الجرّة والقدح فى عنقه، [ثم صلبوه على باب النصر] (١).

فلما عاينوا أرباب الخلاعة ما جرى على ابن الكازرونى، أذعنوا بالسمع والطاعة؛ وفى ذلك يقول ابن دانيال:

لقد كان حدّ السكر من قبل صلبه خفيف الأذى، … إذ كان فى شرعنا جلدا

فلما بدا المصلوب قلت لصاحبى ألا تب فإن … الحدّ قد جاوز الحدّ

ثم إنّ الشيخ شمس الدين بن دانيال عمل فى هذه الواقعة مقامة لطيفة، فقال:

لما قدمت من الموصل إلى الديار المصرية فى الدولة الظاهرية، سقى الله من سحب الإنعام عهدها، وأعذب مشارب وردها، فوجدت تلك الرسوم دارسة، ومواطن الأنس بها غير آنسة، وأرباب المجون والخلاعة عابسة، وقد هزم أمر السلطان جيش الشيطان، وتولّى الحرّانى والى القاهرة، إهراق الخمور، وحرق الحشيش، وتبديد المزور، واستتوب العلوق واللواطى، وحجّر على البغايات (٢) والخواطى، وتأذّى الخلاّع غاية الأذيّة، وصلب ابن الكازرونى وفى عنقه نباذية، ثم شاعت الأخبار، ووقع الإنكار،


(١) ثم صلبوه على باب النصر: كتبت فى الأصل فى الهامش.
(٢) البغايات: كذا فى الأصل.