للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والإمام أحمد هذا، هو أول خلفاء بنى العبّاس بمصر، وإليه تنسب الخلفاء إلى يومنا هذا، فهو جدّهم كلهم على الإطلاق؛ وهذا سبب نقل الخلافة من بغداد إلى مصر، على يد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، رحمة الله عليه.

قال الحافظ أبو شامة: لما نقلت الخلافة من بغداد إلى مصر، فعظم أمر مصر على سائر البلاد، وتشرّف قدر سلطانها على سواه من العباد، وصارت مصر مسكن العلماء والفضلاء والزهّاد، وعلا فيها قدر السنّة، وعفّت منها البدعة، وهذا سرّ فى بنى العبّاس، إذا حلّوا بأرض تشرّفت بهم على غيرها من البقاع، ألم تر إلى السرّ الذى كان فى بغداد، كيف انتقل إلى مصر وصارت كدار السّلام؟ وهذا من أسرار الله تعالى فى الخلافة النبوية، حيثما (١) كانت يكون فيها، انتهى ذلك.

فلما صار الخليفة يطلع ويهنّئ السلطان فى مستهلّ كل شهر، فعنّ للسلطان أن يجعل من كل مذهب قاضيا كبيرا (٢)، ويولّى من تحت يده نوّابا، وكان بمصر لا يحكم بها غير قاض (٣) شافعى فقط، وهو الذى يولّى من تحت يده عن الثلاثة مذاهب، وآخر من كان يفعل ذلك، القاضى تاج الدين بن بنت الأعزّ.

فكان أول قضاة الحنفية بمصر؛ القاضى صدر الدين بن سليمان بن أبى العزّ؛ وأول قضاة المالكية، القاضى شرف الدين عمر بن السبكى؛ وكان أول قضاة الحنابلة، القاضى شمس الدين محمد بن العماد الجمعتلى؛ وكان ذلك فى أوائل سنة ثلاث وستين وستمائة، وفى هذه الواقعة يقول القائل:

لقد سرّنا أن القضاة ثلاثة … وأنك تاج الدين للقوم رابع

فلا عجب أن وسّع الله فى الهدى … مذاهبنا بالعلم فالشرع واسع

تفرقت الآراء والدين واحد … وكل إلى رأى من الحقّ راجع


(١) حيثما: حيث ما.
(٢) قاضيا كبيرا: قاضى كبير.
(٣) قاض: قاضى.