ثم إنّ الملك المظفر دخل الشام فى موكب عظيم، وجلس للحكم فى الميدان، وأرسل بهذه البشارة إلى القاهرة؛ وفى ذلك يقول أبو شامة:
غلب التتار على البلاد فجاءهم … من مصر تركىّ يجود بنفسه
بالشام أهلكهم وبدّد شملهم … ولكل شئ آفة من جنسه
ثم إنّ الملك المظفر أخلع، وهو بالشام، على الأمير علم الدين سنجر الحلبى، واستقرّ به نائب الشام؛ وأخلع على الأمير علاء الدين، صاحب الموصل، واستقرّ به نائب حلب.
ثم استخلص البلاد الشامية من أيدى أولاد بنى أيوب، وكان غالبها فى أيديهم؛ فمهّد البلاد الشامية، والبلاد الحلبية، وولّى بها من يختار.
ثم قصد العود إلى الديار المصرية، وظنّ أنّ الوقت قد صفا له وأنّ الدهر ساعده، فكان كما قيل فى المعنى:
أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف غبّ ما يأتى به القدر
وسالمتك الليالى فاغتررت بها … وعند صفو الليالى يحدث الكدر
فلما خرج من دمشق، ووصل إلى قريب الصالحية، اتّفق جماعة من الأمراء على قتله، وكان المشار إليه فى ذلك الوقت الأمير بيبرس البندقدارى.
فلما وصل الملك المظفر إلى الفرين، قصد يسير فى الفضاء، فرأى أرنبا، فساق خلفه، فلما ساق، ساق معه الأمراء، فدنا منه الأمير بيبرس البندقدارى ليقبّل يده؛ وكان الملك المظفر أنعم عليه بجارية مليحة من سبايا التتار، فظنّ أنه جاء بقبّل يده بسبب ذلك.
فلما مدّ يده إليه، قبض عليه وضربه بالسيف، ثم حملوا عليه بقيّة الأمراء بالسيوف، فقتلوه وتركوه ميّتا ملقى على الأرض، ثم ساقوا وهم شاهرون سيوفهم إلى الوطاق، فجلس الأمير بيبرس على مرتبة السلطان قطز، وأخذ المملكة باليد.
فلما شاع قتل الملك المظفر، فعزّ ذلك على بقيّة الأمراء، لأنّه قتل من غير ذنب، وكان خيار ملوك الترك، وله اليد البيضاء فى قيامه لدفع التتار عن البلاد الشامية،