للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثلاثة أشرفية، وكذلك اشتدّ السعر فى سائر البضائع والأصناف من الغلال. وذكروا أن مات من الجمال ما لا يحصى حتى وصل كراء الموهية إلى أربعين دينارا، وذكروا من هذا النمط أشياء مهولة، وأن أمير مكة السيد الشريف نادى فى مكة أن لا أحدا يجاور بها من الناس بسبب الغلاء. وأشيع فى كتب الحجّاج أن الشهابى أحمد بن الجيعان قد جاور بمكة، وكذلك مصلح الدين خازندار ابن عثمان، وغير ذلك من الأعيان جاوروا بمكة فى هذه السنة، والذين (١) كانوا بها نزلوا صحبة الحجّاج لما اشتدّ أمر الغلاء بمكّة.

انتهى ما أوردناه من حوادث سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وقد خرجت هذه السنة ومضت على خير. وكانت سنة صعبة شديدة على الناس، كثيرة الحوادث والفتن، جرى فيها أمور شنيعة لم تجر (٢) فى سالف الأزمان، وقتل فيها جماعة من الأمراء والعسكر والمماليك السلطانية فى فتنة ابن عثمان، وقتل فيها من أهل مصر ممن (٣) ليس له ذنب، فراح ظلما، فقتل من الناس ما لا يحصى عددهم، ولعب السيف فى أهل مصر سبعة أيام. وقتل فيها ثلاثة (٤) سلاطين وهم: الأشرف الغورى والأشرف طومان باى والظاهر قانصوه، قتل فى البرج بثغر الإسكندرية. وتغيّر فيها ثلاث دول، وخرب فيها دور كثيرة، ونهب فيها أموال وقماش ما لا يحصى قدره، وتيتّم فيها أطفال وترمّل فيها نسوان، وجرت فيها مفاسد كثيرة ما لا يسمع بمثلها. ولم تقاس (٥) أهل مصر شدة أعظم من هذه إلا فى زمن البخت نصّر المايلى، فإنه أخرب مصر وأحرقها حتى أقامت أربعين سنة خرابا، فكان النيل يطلع (٦) وينهبط وينفرش على الأرض فلا تجد من يزرع أراضى مصر عليه. وهذا كله كان بتقدير الله تعالى فيما جرى على أهل مصر، ونسأل الله حسن الخاتمة، وردّ العاقبة إلى خير.

وقد وقفت على كتاب من تأليف الشيخ جلال الدين الأسيوطى رحمة الله عليه، ذكر فيه أن فى هذا القرن يبدو الخراب فى مصر من سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة،


(١) والذين: والذى.
(٢) لم تجر: لم تجرى.
(٣) ممن: مما.
(٤) ثلاثة: ثلاث.
(٥) ولم تقاس: ولم تقاسى.
(٦) يطلع: طلع.