للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إليه مفاتيح قلعة الجبل على أنه يطلع إليها فلم يلتفت إلى ذلك واختار الإقامة على شاطئ بحر النيل. - فلما كثرت العثمانية بالقاهرة صاروا كل من رأوه من أولاد الناس لابسا زمط أحمر أو تخفيفة يقولون له: أنت جركسى، فيقطعون (١) رأسه، فلبست أولاد الناس كلها عمائم حتى أولاد الأمراء والسلاطين قاطبة، وأبطلوا لبس التخافيف والزموط من مصر.

وفى يوم الاثنين ثالث المحرم أوكب السلطان سليم شاه ودخل إلى القاهرة من باب النصر، وشقّ المدينة فى موكب حفل، وقدّامه جنايب كثيرة وعساكر عظيمة ما بين مشاة وركاب حتى ضاقت بهم الشوارع، واستمرّ شاققا من المدينة حتى دخل من باب زويلة، ثم عرّج من تحت الربع وتوجّه من هناك إلى بولاق ونزل بالوطاق الذى نصبه تحت الرصيف، فلما شق من المدينة ارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة. وقيل إن صفته ذرىّ اللون، حليق الذّقن، وافر الأنف، واسع العينين، قصير القامة، فى ظهره حنيّة، وعلى رأسه عمامة صغيرة، ويلبس قفطانا مخملا، وعنده خفّة ورهج، كثير التلفّت إذا ركب الفرس.

وقيل إن له من العمر نحو أربعين سنة أو دون ذلك، وليس له نظام يعرف مثل نظام الملوك السالفة؛ غير أنه سيّيء الخلق سفاك للدماء، شديد الغضب، لا يراجع فى القول. ولما شقّ من القاهرة كان قدّامه الخليفة وقضاة القضاة وجماعة من المباشرين الذين (٢) كانوا بمصر. فكان ينادى كل يوم فى القاهرة بالأمان والاطمان، والنهب والقتل عمّال من جماعته ولا يسمعون له، وحصل منه للناس الضرر الشامل. ومما أشيع عنه أنه قال فى بعض مجالسه بين أخصّائه وهو بالشام:

إذا دخلت إلى مصر أحرق بيوتها قاطبة وألعب فى أهلها بالسيف. فقيل تلطّف (٣) به الخليفة حتى رجع عن ذلك، ولو فعل ذلك ما كان يجد له من مانع يمنعه من ذلك، والله غالب على أمره.

فلما طفشت العثمانية فى القاهرة صارت أعيان المباشرين يجعلون على أبوابهم


(١) فيقطعون: فيقطعوا.
(٢) الذين: الذى.
(٣) تلطف: تلتطف.