فلما بلغ الملك الصالح ذلك، غضب عليهما، وأمر بإخراجهما إلى دمشق، فخرجا؛ فلما كانا فى أثناء الطريق، أرسل الملك الصالح من تلطّف بهما فى العود، فلما عادا خرج إليهما السلطان إلى بلبيس، وتلقّاهما، وقبّل يد الشيخ عزّ الدين بن عبد السّلام، وأعاده إلى القضاء كما كان.
ومما وقع له، أنّه تصدّى لبيع أمراء الدولة، وذكر أنّه لم يثبت عنده أنّهم أحرار، وأنّهم تحت الرقّ، ولا يجوز لهم تصرّف فى المملكة؛ فلما بلغ الأمراء ذلك، حنقوا على القاضى، فركب نائب السلطنة، وبيده سيف مسلول، وجاء إلى بيت القاضى، فلما دقّ عليه الباب، خرج إليه ولد القاضى، فرأى نائب السلطنة واقفا على الباب، وبيده سيف مسلول، رجع إلى والده وأعلمه بذلك، فقال الشيخ:
«يا ولدى، أنا أقلّ من أن أقتل فى سبيل الله».
ثم إنّه خرج إليه، فلما وقع بصره على نائب السلطنة، سقط السيف من يده، وأرعدت مفاصله، فنزل عن فرسه، وقبّل يد الشيخ، وقال له:«ادعو لى»، فقال الشيخ:«ما أرجع حتى أبيعكم فى السوق»، فقال له نائب السلطنة:«ومن يقبض ثمننا إذا بعتنا»؟ قال:«أنا»، قال:«وما تصنع به»؟ قال:«أصرفه فى مصالح المسلمين».
فما رجع حتى جمع الأمراء كلها، ونادى عليهم فى السوق، فوكّلوا جماعة فى مشتراهم، وباعهم القاضى بأغلا الأثمان، وقبض ثمنهم، وصرفه فى مصالح المسلمين؛ ثم إنّ القاضى عزل نفسه عقيب ذلك، فتلطّف به السلطان فى عوده إلى القضاء، فلم يوافق على ذلك.
ومما وقع له أنّه أفتى بشئ، ثم ظهر له أنّه أخطأ فى الذى أفتى به، فنادى فى القاهرة:«من أفتى له ابن عبد السّلام بكذا، فلا يعمل به، فإنه قد أخطأ فى ذلك»، وفيه يقول ابن الجزار:
سار عبد العزيز فى الناس سيرا … لم يسره سوى ابن عبد العزيز