للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولما كمل بناء هذه القلعة، أشحنها بالأسلحة، والآلات الحربية، وادّخر فيها الغلال، خشية من محاصرة الفرنج، فإنهم كانوا عزموا على أخذ الديار المصرية.

قال الأمير موسى بن يغمور، والى القاهرة: أمر الملك الصالح بهدم مسجد كان بالروضة، وبنى مكانه قاعة مطلّة على البحر برسمه، فلما انتهى العمل منها، جاءت الأخبار بأنّ الفرنج طرقوا ثغر دمياط، فخرج إليهم وهو عليل، فمات هناك، وجاءوا به فى مركب تحت الليل، ودفنوه فى تلك القاعة التى هدم المسجد بسببها، ولم يدخل تلك القاعة وهو فى قيد الحياة، فدفن بها مدّة، ثم نقل إلى مدرسته التى تجاه الصاغة، فدفن بها.

وكان بالروضة، فيما بين الروضة والجيزة، جسر من خشب، يمرّ عليه الناس والدواب، وكان من برّ مصر إلى الروضة جسر آخر من خشب؛ وكان هذان الجسران، من مراكب مصطفّة بعضها ببعض، وهى موثقة بالتراب، وكان عرض هذا الجسر ثلاث قصبات؛ فكان الأمراء، إذا قصد أحد منهم يعدّى إلى قلعة الروضة، ينزلون عن خيولهم ويمشون على هذا الجسر، إلى أن يطلعوا إلى القلعة؛ ولا يمكّن أحد من العبور على هذا الجسر وهو راكب، سوى السلطان فقط؛ وكان مبدأ هذا الجسر من عند المدرسة الخروبية.

وكان بالروضة قصر يسمّى الهودج، بناه الخليفة الآمر بأحكام الله، لأجل محبوبته البدويّة الهواريّة، التى هويها وشغف بها، وكان من غرائب الوجود، فهدمه الملك الصالح لما بنى هذه القلعة؛ وكانت هذه القلعة من محاسن الزمان، وفيها يقول ابن قادوس:

انظر لحسن القلعة الغراء إذ … محاسنها مثل النجوم تلالا

ووافى (١) إليها الماء من بعد بعده … كما زار مشغوفا يروم وصالا

فعافقها من فرط شوق لحسنها … ومدّ يمينا نحوها وشمالا

وكان النيل قد احترق فى تلك السنة، وانطرد عن برّ مصر، وصار رملا ممتدّا


(١) ووافى: ووافا.