للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما تحقّق الملك الكامل صحّة الأخبار، نادى فى القاهرة بالنفير عاما، واضطربت الأحوال، وتزايدت الأهوال، وعرض السلطان العسكر، وجمع سائر العربان من الشرقية والغربية، فاجتمع من العساكر نحو عشرين ألف مقاتل.

فلما تكامل العسكر، خرج الملك الكامل بطلب حربى على جرائد الخيل، وخرج صحبته السواد الأعظم من أهل مصر والقاهرة، فتوجّه إلى طلخا، ونزل على بحر أشموم، وصار يحاصر الفرنج بدمياط.

فلما دام بينهما الحصار، ووقع الغلاء فى العسكر، حتى أبيع الرغيف الخبز بثقله فضّة، وأبيعت بيضة الدجاجة بدينار، وصار السكّر فى مقام الياقوت الأحمر، وصار العسكر يطعمون الخيول من أوراق الأشجار، وتقلّقت الرعيّة، من عظم هذه البليّة.

وأمر الفرنج كل يوم يتزايد، وقد حصّنوا مدينة دمياط، ونهبوا ما فيها، وسبوا أهلها، وجعلوا الجامع الكبير، الذى بها، كنيسة، وصاروا لا يملّون (١) من الحرب ليلا ولا نهارا، وقتل من المسلمين ما لا يحصى عددهم، من العسكر وغيره.

وكانت مدّة هذه المحاصرة بين الفريقين ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما.

وقد أشرف الملك الكامل على الغلب، وصار يبعث السعاة إلى البلاد الشامية، يستحثّ إخوته على الحضور، وصحبتهم العساكر الشامية.

وفى هذه المدّة توفّى فى القاهرة جماعة من الأعيان، [منهم] (٢) الشيخ شرف الدين يحيى ابن معط، النحوى، كان من أئمة النحوييّن، مات بمصر سنة عشرين وستمائة.

وتوفّى الشيخ علاء الدين على بن محمد بن النبيه، الناظم الناثر، صاحب الأشعار الرائقة، والمعانى الفائقة، مات سنة إحدى وعشرين وستمائة، وكان له شعر جيّد، لم يسبق (٣) إليه، وكان غالب شعره مديحا فى الملك الأشرف موسى شاه أرمن،


(١) يملون: يملوا.
(٢) [منهم]: تنقص فى الأصل.
(٣) لم يسبق: لم سبق.