من ذكر الله تعالى بطول الطريق، فسكن روع الطبيب بعد ما كان فى وجل، فاستمر يمشى معه حتى وصلا إلى دار خربة، فخرج منها رجل، وقال للرجل الذى جاء بالطبيب:
«وهل مع هذا البطء (١) العظيم، جئت لنا بصيد»؟ فلما سمع الطبيب ذلك ولّى هاربا، وما خلص إلاّ بعد جهد كبير.
واستمرّ الأمر على ما ذكرناه مدّة طويلة، ثم سكن الحال، وتراجع الأمر قليلا، قليلا، وانحطّ سعر القمح، وظهر فى العرصات، وامتلأ أعين الناس منه، وزالت تلك الشدّة عن الناس، وانتسى أمر الغلاء كأنه لم يكن، كما قيل فى المعنى:
إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة … فهيّئ لها صبرا، وأوسع لها صدرا
فإنّ تصاريف الزمان كثيرة … فيوما ترى عسرا، ويوما ترى يسرا
انتهى ذلك. - وفى هذه السنة توفّى الإمام الحسن بن الخطير النعمانى الفارسى، وكان من أعيان العلماء الحنفية، وكان له تفسير القرآن فى عدّة مجلدات، مات فى أوائل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
ولما توفّى الفاضل تولّى عوضه فى الوزارة، الصاحب بهاء الدين زهير محمد بن محمد بن على بن يحيى بن الحسن الأزدى، ثم المصرى، وكان عالما فاضلا، بارعا فى البديع والإنشاء، وله شعر جيّد ومعانى غريبة، أقام فى الوزارة إلى آخر دولة بنى أيوب، ووزر للملك الكامل، والعادل، والصالح، والمعظم، ومن شعره قوله:
لعلكم قد صدّكم عن زيارتى … مخافة أمواه لدمعى وأنواء
فلو صدق الحبّ الذى تدّعونه … وأخلصتم فيه مشيتم على الماء
وفى أيام العادل هذا، جاءت الأخبار بوفاة الشيخ مؤيد الدين الطغرائى، صاحب لامية العجم، وكان الطغرائى كاتب الإنشاء للملك مسعود، صاحب حماة؛ فلما كانت الواقعة بين الملك مسعود، وبين أخيه الملك محمود شاه، فانتصر محمود شاه على أخيه الملك مسعود؛ فلما ولّى هاربا، فكان أول من أسر من جماعة الملك مسعود، مؤيد