وكان سبب هذه الفتنة فى ليلة العيد أن قد أشيع بين الناس أن السلطان قد عوّل على مسك جماعة من الأمراء يوم العيد وهم فى الجامع، فلما بلغهم ذلك وثبوا عليه تلك الليلة، فلما نزل من القلعة واختفى وقع النهب فى الاسطبل السلطانى والركبخاناه، فنهب منها أشياء كثيرة، نحو من ستين ألف دينار على ما قيل؛ فلما كان يوم العيد لم يصلّ أحد من الأمراء صلاة العيد، واشتغل كل أحد بما هو فيه، ووقع الخلف بين الأمراء فيمن بلى السلطنة، وكان من الأمر ما سنذكره فى موضعه.
فكانت مدّة العادل طومان باى فى السلطنة بالديار المصرية مائة يوم سوى عنها ثلاثة أشهر وعشرة أيام، هذا خارجا عن سلطنته بدمشق، وكان ملكا جليلا، مهابا مبجّلا، تولّى الملك وقد جاوز الأربعين سنة من العمر؛ وكان صفته طويل القامة، أبيض اللون، مشربا بحمرة، مدوّر الوجه، مستدير اللحية، أسود الشعر، الغالب عليه الشقرة، وكان ملئ الجسد، جميل الهيئة، وافر العقل، سديد الرأى، غير أنه كان سفاكا للدماء، عسوفا ظالما، قتل الأتابكى قصروه ظلما، وأرسل بخنق الأشرف جانبلاط وهو بالبرج، وعوّل على خنق الظاهر قانصوه أيضا وهو بالبرج، لكن كان فى أجله فسحة، وأغرق جماعة كثيرة من الخاصكية فى هذه المدّة اليسيرة، ولو دام فى السلطنة لوقع منه أمور شتى وكان يقتل غالب الأمراء وثلث العسكر.
وكانت مدّة سلطنته كلها شرورا وفتنا مع قصرها، وآخر الأمر هرب واختفى، واستمرّ مختفيا حتى قبض عليه وقطعت رأسه، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، وآل الأمر إلى أنه خلع من السلطنة، وتسلطن بعده قانصوه الغورى، كما سنذكر ذلك فى محله، انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك العادل طومان باى، وذلك على سبيل الاختصار.