للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هيّنا لين الجانب، قليل الأذى كثير البرّ والمعروف، وكان مسلوب الاختيار مع الأمراء، مهما يقولون له، يقول: يخشى؛ فسمّته العوام «يخشى»؛ كما سمّوا الظاهر يلباى: إيش كنت أنا قل لو؛ وكانت أيام الظاهر قانصوه أصلح حال من أيام الملك الناصر محمد بن الأشرف قايتباى، وقد انصلحت أحوال البلاد الشرقية، وقلّ أذى العربان، وكذلك البلاد الغربية، ووقع الرخاء فى أيامه فى سائر البضائع، وانكفّت المماليك عن ما كانوا يصنعون من الأذى فى أيام الملك الناصر محمد، وساس الظاهر (١) فى أيامه أحسن سياسة، وخلع والناس عنه راضية.

وكانت صفته أبيض اللون، يميل إلى الصفرة، نحيف الجسد، قصير القامة، أسود الشعر، عربى الوجه، مستدير اللحية، جميل الهيئة، حسن الشكل فى المنظر، جركسى الجنس، قليل الكلام بالعربى، الغالب عليه الجلوبية (٢)، تولّى الملك وله من العمر دون الثلاثين سنة، وكان وافر العقل، ثابت الجنان، مع سكون وعدم رهج.

وأما ما عدّ من مساوئه، وهو قتله للأمير تانى بك قرا من غير ذنب، أرسل لخنقه وهو بين أولاده وعياله وهو بالقدس؛ ومنها أنه صادر خوند الخاصكيّة زوجة أستاذه الملك الأشرف قايتباى، ووكّل بها الطواشية، حتى أباعت قماشها مثل التركة وأوردت ما قرّره عليها من المال، وصادر أختها زوجة آقبردى ووكّل بها بالقلعة، وطالبها بمائة ألف دينار، وزعم أن آقبردى أودع عندها مالا، وصادر أخاها الناصر محمد بن خاص بك، وعرضه للضرب غير ما مرّة وألزمه بأن يسافر أمير حاج بالركب الأول من ماله، ولم يعطه شيئا كعادة أمراء الحاج.

ومنها أنه ظلم جماعة من أعيان الناس من رجال ونساء، وأخذ أملاكهم غصبا، وهدّها بسبب البيت الذى أنشأه على بركة الفيل لأجل أخيه قانم، وفعل مثل ذلك بالتربة التى أنشأها بالصحراء، وضيّق بها الطريق على المارّ من هناك، وأعمى ترب الناس التى بجواره؛ ومنها أنه كان متواطئا مع الأمراء على قتلة الملك


(١) الظاهر: الناصر.
(٢) الجلوبية: كذا فى الأصل، وكذلك فى ف، ويعنى لهجة الجلبان.