للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما أن طلع النهار أصبح الناس يجدون الخلجان والبرك قد تعمّرت بالمياه فتعجّبوا من ذلك، وهذا قط ما وقع فى الجاهلية، ولا فى الإسلام أن السدّ فتح بالليل، وقطع (١) على الناس فرحاتهم بيوم الوفاء، وما كان يقع فيه من القصف والفرجة المعتادة، وفى هذه الواقعة يقول الناصرى محمد بن قانصوه من صادق:

منذ للسلطان قالوا … للورى بالكسر جبر

كسر السدّ بليل … فغدا للناس كسر

ثم بعد مضى أيام توجّه السلطان إلى قناطر أبى المنجا وفتح سدّها أيضا، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة. - وفيه ضرب السلطان الكرة بالحوش فى غير يوم موكب، وكان معه بعض أمراء طبلخانات وعشرات، منهم الأمير طومان باى (٢) الدوادار الثانى، فصار طومان باى يقتحم على أخذ الكرة من السلطان، فحنق منه السلطان وضربه على ظهره بالصولنجان غير ما مرّة، فكان ذلك من جملة ما حقده عليه طومان باى، حتى كان سببا لقتله عن قريب.

وفيه مرّ السلطان من بين القصرين بعد العشاء، فرأى شخصا ماشيا فى السوق وقد خرج من الحمّام، فقيل له: إن هذا الرجل سكران، فوسّطه ولم يفحص عن أمره، وراح ذلك الرجل ظلما، وكان الناصر قد تزايد شرّه فى تلك الأيام إلى الغاية. - وفيه نادى السلطان لسكان بركة الرطلى بأن يوقدوا بها وقدة سبع ليالى متوالية، فامتثلوا ذلك، وصار ينزل فى المراكب ويطوف البركة هو وأولاد عمّه، فإن رأى امرأة جميلة فى بيتها يهجم عليها ويطلع لها من الطاق ويأخذها غصبا، ويضرب زوجها بالمقارع فى وسط بيته، فارتابت الناس منه وبقى على رءوسهم طيرة.

ومن الحوادث فى هذا الشهر قد أشيع بين الناس أن السلطان عمل له يرقا حافلا بتربة أبيه، وقد عوّل على أن يسافر فى الدسّ إلى نحو البلاد الشامية، بسبب آقبردى ليكون له عونا على نصرته ودخوله إلى مصر، وكان السلطان له عناية بآقبردى باطنا وظاهرا؛ فلما بلغ المماليك ذلك توجّهوا إلى مكان فيه السنيح ونهبوه عن آخره،


(١) وقطع: كذا فى ف، وفى الأصل: وقد طلع.
(٢) طومان باى: طومان.