للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكانت صفة ولاية الشرفى يعقوب أن لما كان يوم السبت ثالث صفر بعث الملك الناصر خلف الشرفى يعقوب، فحضر وحضر ابن عمه خليل، فعرض العهد المقدّم ذكره على السلطان، فشرع خليل يتكلم فى حقّ الشرفى يعقوب بكلمات فاحشة، منها أنه قال: هذا قليل النظر ولا تصحّ ولايته؛ فلم يلتفت السلطان إلى كلام خليل، وقال: هذا أبوه كان خليفة؟ فقيل له: لا؛ فقال (١): ما بلى الخلافة إلا من كان أبوه خليفة؛ وشرع كرتباى الأحمر وأزبك اليوسفى مشير المملكة وتغرى بردى الأستادار يساعدون (٢) الشرفى يعقوب، فترشّح أمره بأن يلى الخلافة، وفى الحقيقة لم يكن يومئذ من بنى العباس من يصلح للخلافة غير الشرفى يعقوب، فى الدين والخير والصلاح، فاتّفق رأى الأمراء على ولايته، ونزل خليل من القلعة بخفّى حنين.

فلما حضر القضاة وتكامل المجلس لم يحتج إلى مبايعة ثانية، لأنه استقرّ فى الخلافة بعهد من أبيه له عند موته، فاستكفى القاضى الشافعى بذلك؛ ثم أحضر إليه شعار الخلافة فأفيض عليه، وتلقّب بالمستمسك بالله أبى الصبر، وعدّ لقبه هذا من النوادر؛ وقيل إن الشيخ جلال الدين السيوطى هو الذى كنّاه ولقّبه بهذا اللقب، ومن الغرائب أن لم يل الخلافة من بنى العباس ولا من بنى أميّة من اسمه يعقوب سواه؛ فلما تمّت بيعته أحضر إليه التشريف فأفيض عليه، فصار فى غاية الأبّهة والوقار، وفى الحقيقة أنه من عباد الله الصالحين، لم يعهد له صبوة من منذ نشأ وإلى الآن ، وفيه أقول مضمنا:

يا أمير المؤمنين أقبل ولا … ترتجى غير الذى قد شرّفك

لو أتى العباس أضحى قائلا … يرحم الله الذى قد خلّفك

وكان له من العمر لما ولى الخلافة نحو من خمسين سنة وقد وكزه الشيب، فنزل من القلعة فى موكب حافل، حتى وصل إلى داره، واستمرّ فى هذه الولاية مدّة طويلة حتى كان من أمره ما سنذكره فى موضعه.

وفى ربيع الأول أخلع على قانصوه خال السلطان وقرّر فى الوزارة والأستادارية،


(١) فقال: فقالت.
(٢) يساعدون: يساعدوا.